لـ"الغد" الترقي وطول البقاء

تم نشره في الأحد 5 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 03:00 صباحاً

 لست متأكدا بعد إن كان هذا آخر مقال لي في "الغـد"، لكنّه بالتأكيد الأخير الذي أكتبه كرئيس للتحرير.

بالنسبة لي على الأقل، هذه نهاية مرحلة وبداية أخرى. ومع أن مرحلة "الغد" كانت قصيرة نسبيا، إلا أنه لا يمكن القول إن المرحلة انتهت حتى قبل أن تبدأ.

ما حاولت أن أنجزه منذ مطلع العام ليس بالضرورة ما تحقّق، ولذلك أسبابه الواضحة. فمسيرة أشهر، أو حتى أربع سنوات، في عمر صحيفة أردنية مثل هذه لا تقارن بمسيرة 150 عاما في "النيويورك تايمز" أو 120 عاما في "الأهرام" القاهرية، أو حتّى 40 عاما في صحف أردنية زميلة.

بطبيعة الحال، قد يختلف القرّاء في تقييمهم لما كانت عليه "الغـد" وما آلت إليه الآن. فصناعة الصحف، أو دعونا نقول "كتابتها"، لا تخضع دائما لحدود زمنية فاصلة، خصوصا إذا كانت لغة الأرقام التي تحكمها كـعمل غير ذات أهمية مقارنة بما يتم إنجازه إن على الصعيد المهني أو في مجال تعزيز حرية الكلمة ورفع سقف ما يكتب وينشر ويذاع في أي صحيفة، كما في سائر وسائل الإعلام.

لغّة الأرقام مهّمة لأن ازدهارالصحيفة، أي صحيفة، يعتمد عليها... فالمعلن يلحق التوزيع، والتوزيع دعامته جودة المنتج، ولا دخل يتحقق من دون التوزيع والإعلانات. والكفاية تكفل الاستقلالية لوسيلة الإعلام. كذلك يحفّز الرواج، كالزيادة في الإيرادات، على إعادة الاستثمار في الصحيفة، بما يكفل تعزيز النوعية وتدعيم المهنية، بما في ذلك الدقّة والموضوعية والنزاهة في تناول الأخبار والتحليلات وعرضها، وتوسيع قاعدة التواصل مع الناس.

لغّة الأرقام هذه ليست من اختصاصي، لكن ما من شكّ أن مساحات الإعلان في هذه الصحيفة الصاعدة اتسعت أكثر من وتيرة ارتفاعها في اليوميات الأخرى، كما أن توزيعها واشتراكاتها ازدادا على نحو غير مسبوق، منذ مطلع العام. وفي هذا دلالة على أن القارئ والمعلن لمسا تقدما، فاستجابا له بأن جعلا "الغـد" أكثر مقروئية وانتشارا.

لا غضاضة في الإقرار بأنني ساهمت في دفع مسيرة "الغـد" الإعلانية، مع أنه لم يكن مطلوبا مني ذلك. ولكنني رضيت بالقيام بهذا العمل لكي أمكّنها من لعب دورها الأصيل، التنويري والتثقيفي والمعرفي، بأكبر قدر ممكن من الاستقلالية والأريحية.

في كل الأحوال، ما كان يهمني كصحافي وابن مهنة، أن تحقق "الغد" نقلة نوعية خلال فترة وجودي فيها، على صعيد تطوير حرفية كوادرها وكذلك على رفع سوية محتواها. وهذا تحقّق في جوانب عديدة لا تخفى على أحد.

فإلى جانب صقل مواهب زملائنا وتنمية قدراتهم وتحسين نوعية المادة المكتوبة، أعيد تبويب الصفحات وطرق إخراجها، كما أضيفت زوايا جديدة (مثل "زواريب" و"رسائل إلى المحرر" و"البلد")... واندفعنا أيضا بعزم وإرادة في تطوير الملاحق وبالتحديد "حياتنا" و"سوق ومال"، بالإضافة إلى "الموقع الالكتروني"، وأعطينا الصفحة الأولى وجها جديدا أحبه الناس. ولم ننس المضامين، إذ سعينا لإيصال المعلومة الدقيقة، واستكتبنا أقلاما من مدارس فكرية ومشارب سياسية مختلفة بحثا عن آراء سديدة وتعددية، كما استزدنا من كتابة التحليلات الهادفة في شتّى القضايا والمجالات.

هذه النقلة في التحرير عزّزت التواصل مع قرائنا، وعمّقت صدقية الصحيفة لتصبح مصدرا مهمّا وقيما للقارئ العادي وللباحث وللسياسي وللاقتصادي، كما للمجتمع الأردني بكل فئاته.

صحيح أننا لم نستطع إنجاز كل ما سعينا إليه، فموازنتنا الشحيحة أصلا - بالمقارنة مع الصحف العريقة والغنية وحتى المتوسطة منها- تعرضت للضغط هذا العام تماشيا مع ارتفاع التكاليف (لا سيما الورق المستورد) وتدني الأرباح الصافية رغم اتساع رقعة الإعلانات.

هذا من جهة، وفي المقابل دعونا لا ننسى أو نحجم عن ذكر حجم المصاعب والعثرات التي واجهتنا والتي كانت بنيوية في جانب منها، تعشعش في وسائل الإعلام الأردنية كافة، وأخرى لا علاقة لها بالمهنة وتقع خارج نطاق التغطية.

من الأمثلة الحيّة على المشاكل المتجذرة التي تواجه زملاءنا، ضعف أو غياب الخبرات في المجالات التي تتطلب تغطية صحافية متخصّصة وانتشار ظاهرة العمل الجزئي (Part-time) بين الصحافيين، والذين يحتاج معظمهم إلى مصادر دخل إضافية غير معاشاتهم لتوفير لقمة العيش الكريم لهم ولعائلاتهم، بينما الضغوط بكل أنواعها أضحت أم المشاكل المستعصية على الحل.

لكن هذا هو الإعلام في بلدنا وهذه هي مسيرته، التي خبرتها طويلا كمواطن وكمراقب للأحداث وكرئيس تحرير لثلاث صحف.

ليس هذا الوقت أو المنبر المناسب لتقييم التجربة بأكملها أو حتى في أصغر جزئياتها. فالحديث عن الإعلام كلّه شجون. وقد حاولت تناول بعض منها، وبقدر المستطاع، في المقالات التي كنت أكتبها خلال الفترة التي رأست فيها تحرير "الغد".

فكما يعلم الجميع، لم يكن بالإمكان مناقشة كل ما كان يحدث حال وقوعه، وبالضرورة، كان لزاما علينا، أحيانا، تأجيل التواصل مع القرّاء حول قضية بعينها حتى تنقشع الغيوم التي تحيط بها. وهذا يفسر غياب هذه الزاوية أو تباعد مقالاتي لأسابيع في فترات كان من الصعب خلالها البوح بما يدور في الأروقة وعلى المساحة الإعلامية بالتحديد. أخص بالذكر في هذا المجال، الضرورات التي كانت تملي بالتنحي جانبا لتجنب جرّ الصحيفة إلى معترك الخصومات السياسية والمناكفات والتنافس اللاأخلاقي على الكراسي، التي لم أشأ أن أكون شخصيا أو أن تكون هذه الصحيفة جزءا منها بأي حال من الأحوال.

لا أريد الخوض في التفاصيل أو فيما لا يجب التحدث عنه الآن. ولكن قد تحين الفرصة مستقبلا لطرق مواضيع في الصحافة والإعلام، كتلك التي يجب أن نناقشها علانية ، مثل ارتباط الإعلام بالسياسات، خصوصا فيما يتصل بمراحل يشوبها سيل من القصص والتقارير عن سوء الإدارة والفساد في بنيان الوطن ونسيج المجتمع، وتلك التي تخص علاقات المواطنة بالإعلام والحريات، ناهيك عن التدخلات الرسمية والرأسمالية وحتى الأهلية والشعبية في المؤسسات الإعلامية المختلفة، أو في قضايا أقلّ حساسية وأكثر نظرية، كعلاقة مسيرة الدولة بملكية وسائل الإعلام.

بدأت مشواري مع "الغد"، بعد ربع قرن في مهنة المتاعب، من دون أن أبدي تفاؤلا كبيرا حيال ما يمكن تحقيقه في غضون سنة (مدّة عقدي مع الغـد) أو حتى سنوات، ولكن لا يستطيع أي كان أن يأخذ منا ما تحقّق أو يغفل عن حجم التحدي الذي يواجه هذه الصحيفة الفتية، فهو ماثل أمامنا كالمنطاد، وما يزال يحتاج إلى جهد كبير لكي تصل إلى بر الرسوخ ومن بعده إلى مدرج الإقلاع بكل ثقّة وأمان نحو فضاءات جديدة من التقدم والرقي.

أغادر ليس أقل تفاؤلا... إنما أكثر واقعية، وخبرة ونضجا.

وفي هذا الإطار، دعوني أشير إلى التميز والعطاء الذي أبداه الزميلات والزملاء بلا استثناء في إثراء مسيرة "الغـد"، والدعم الذي قدموّه لي شخصيا من أجل إنجاح التجربة. كما أتوقف مطولا وباعتزاز أمام تواصل القرّاء وتفاعلهم، وكثيرون منهم أصدقاء ومعارف أعزّاء، الذين أبدوا دائما حسّا عاليا من الحرص والمحبة حتّى في غمرة نقدهم وتحفظّهم على ما كان يظهر في الصحيفة في بعض الأحيان.

ها أنا عائد للعمل على مشروعي الطموح، على موسوعتي الالكترونية عن العالم العربي التي بدأتها عام 1998، وعلى مواصلة بناء وتشغيل وسائل جديدة في سوق "الإعلام الجديد"، والتي آمل أن تمكّن الأجيال القادمة من تحقيق ما أخفق جيلنا في الوصول إليه، وأن تلحق بالركب في أنحاء أخرى من هذا العالم، فما من مجال لإهمال عامل الوقت وضياع الفرص المتاحة هذه الأيام.

أدعو لـ"الغد" الحبيبة بالتقدم والاستقلالية والرسوخ.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بالتوفيق (اسماعيل زيد)

    الأحد 5 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    شكراً جزيلا على ما فعلته خلال الفترة الماضية، وأنا من أشد المعجبين بقراءة جريدة الغد الفتية، ووفقك الله لما فيه المصلحة لك وللصحافة في الأردن
  • »شكرا (مصطفى محمد العمري)

    الأحد 5 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    شكرا للأستاذ الكبير جورج حواتمة وأنا أودعك بحزن شديد وعزائي الوحيد أنك تركت رجل مثلك غاية في الروعة الاستاذ والزميل موسى برهومة
  • »يعطيك العافية (أم سيف)

    الأحد 5 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    لقد عملت خلال السنة الماضية على تطويرهذة الصحيفةحتى أصبحت من أهم الصحف. رحيلك عن هذة الصحيفة هو خسارةكبيرة لقرائها
  • »تحية طيبة (Mustafa)

    الأحد 5 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    تستحق كل التقدير و الاحترام على القيادة المتميزة لصحيفة متميزة و انا من اشد المتابعين لهذه الجريدة و اتمنى لك التوفيق و النجاح
  • »ارضاء البشر غايه لا تدرك (سهاد)

    الأحد 5 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    قد لا اكون راضيه عن اداء الغد بالماضي ولكن عذري الناس اهواء وارضاء الناس غايه لا تدرك

    قد ابدعت ويعطيك العافيه ووفقك الله الى مافيه خدمة الوطن والمواطن تحت ظل جلالة الملك المفدى عبد الله
  • »في اطار اللامفهوم في الاردن (راشد السنافطة)

    الأحد 5 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    الغد في عهدك تميزت بتنوع الاقلام وبسقف اعلى .. وفقك الله فقد كنت دائما مثالا للمهنية.
  • »all the best George (metri altwal)

    الأحد 5 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    George....as always....the professional...good luck and all the best.metri
  • »تعليق (زيد أبوعودة)

    الأحد 5 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    كان واضحا لدى قرّاء "الغد" الأثر الايجابي الذي طرأ على الصحيفة منذ ان استلمت رئاسة التحرير. اتمنى لك كل التوفيق
  • »الغد (وائل عيسى)

    الأحد 5 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    لا أحد ينكر لكم بصماتكم في الغد الاردنية متمنيا لكم التوفيق في مشروعكم الجديد القديم واتمنى اطلاعنا عليه لمتابعته.
  • »ستظل الغد هي الغد (عمر شاهين)

    الأحد 5 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    الأستاذ الرائع جورج حواتمة نودعك بحرارة ولا يواسينا سوى أنك تركت ورائك خير خلف الأستاذ موسى برهومة وأنتما تشكلان مثالان للنهج اللبرالي الذي يضمن لقراء الغد الوجه ومقابله في ندرة صحفية سعت إليها ونجحت الغد أضفت لمسات رائعة وخاصة زواريب التي لا نتمنى أن تغادرنا وتركت لنا كتاب متنوعين فجميل أن نقرا مقالات بسام حدادين التي شرحت لنا عمل البرلمان وأن نقرأ حمادة فراعنة يقابله يسار أو بهلالة ونخبة جميلة من الكتاب المثقفين لا اريد أن اذكرهم حتى لا أنسى أحد منهم نودعك ونعاهدك على أن نظل أوفياء للغد ككتاب قصة ومقالة او حتى كقراء إن ضاق مجال الكتابة يوما بها .