كوريا الشمالية بعد الزعيم الغالي

تم نشره في الأحد 5 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 02:00 صباحاً

سيئول ـ إن كوريا بلد فريد من نوعه. فقد انتهت الحرب الباردة بانهيار الاتحاد السوفييتي في العام 1991، ولم يعد أحد يتذكرها اليوم إلا كجزء من التاريخ. إلا أن شبه الجزيرة الكورية ما زالت مقسمة بخطوط إيديولوجية، وما زال شطرا كوريا قائمين كأثر حي باق من آثار الحرب الباردة. وعلى طول المنطقة المدججة بالسلاح (التي من المفترض أن تكون منزوعة السلاح) التي تفصل بين شطري كوريا يقف ما يقرب من 1.5 مليون جندي شاب من كل من كوريا الشمالية والجنوبية في صفين يواجه كل منهما الآخر.

بيد أن الأحداث والقوى البنيوية كانت عظيمة الأثر، فغيرت من طبيعة النظام الكوري الشمالي منذ العام 1991. فكان الانقطاع المفاجئ في الإمدادات من البترول والموارد الطبيعية من روسيا في أوائل التسعينيات، وفشل الاقتصاد القائم على التخطيط المركزي، والمجاعة الهائلة التي أعقبت ذلك في منتصف التسعينيات، من الأسباب التي اضطرت قادة كوريا الشمالية إلى التسامح مع الأنشطة غير الرسمية التي تمارس في السوق. واليوم، يبدو أن كل كوري شمالي أصبح يعشق المال ويعرف قيمته.

كانت سياسة الارتباط التي تبنتها حكومة كوريا الجنوبية أثناء الأعوام الأخيرة من الأسباب التي ساهمت أيضاً في تغيير نظرة الكوريين الشماليين إلى العالم الخارجي وإلى وضعهم الاقتصادي البائس. وفي ظل هذه الظروف اليائسة، تشبث قادة كوريا الشمالية باستراتيجيتهم الرامية إلى إنتاج الأسلحة النووية كملاذ أخير للدفاع عن أمن نظامهم.

ولكن بصرف النظر عما إذا كانت قضية الأسلحة النووية قد انتهت أم لا، فلسوف يستمر انتشار قوى السوق في كوريا الشمالية في تغيير كافة مظاهر الحياة هناك في غضون الأعوام القادمة. ولا أحد يستطيع أن يجزم الآن بالعواقب السياسية التي قد تترتب على هذه التغيرات الاقتصادية.

لذا، وحتى قبل التقارير الأخيرة عن المشاكل الصحية التي يعاني منها زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ إل، فقد كانت كوريا الشمالية بالفعل دولة يحيط بها جو متنام من عدم اليقين. بيد أن التقارير الواردة عن صحة كيم المعتلة كانت بمثابة نداء تنبيه خشن بشأن الطبيعة غير المستقرة للظروف في كوريا الشمالية. ولسوف تضيف مسألة تدهور صحة "الزعيم الغالي" إلى حالة عدم اليقين، بل وقد تؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار الدولي عبر شرق آسيا.

على سبيل المثال، ظل كيم إل سونغ يرعى ولده كيم جونغ إل باعتباره خليفة له لمدة تقرب من العقدين من الزمان قبل أن يتولى كيم الابن السلطة في العام 1994. بيد أن كيم جونغ إل لم يختر خليفة له حتى الآن. ومن المعتقد على نطاق واسع أن نظاماً جديداً من الزعامة الجماعية سوف ينشأ إذا ما ثبت عجز كيم جونغ إل عن قيامه بمهام منصبه.

المشكلة هنا أن كوريا الشمالية لا تتمتع بأي خبرة فيما يتصل بالزعامة الجماعية. إذ كانت كافة السلطات طيلة العقود الستة الماضية متركزة بين يدي شخص واحد. ولقد تأصل تقليد حكم الرجل الواحد بشكل تام في الثقافة السياسية والنظام في كوريا الشمالية إلى الحد الذي أصبح معه من الصعب أن نتوقع نجاح الزعامة الجماعية. وهذا يعني أن شكلاً ما من أشكال الصراع على السلطة، أشبه بما حدث في الاتحاد السوفييتي في أعقاب وفاة ستالين، سوف يأتي لا محالة في أعقاب فترة وجيزة من الحكم الجماعي.

والمعضلة التي يواجهها العالم في هذا السياق تتلخص في ضرورة اتخاذ بعض القرارات المهمة أثناء تلك الفترة من عدم الاستقرار. ولكن هل ينجح الساعون إلى الزعامة في التعامل مع مخزون البلاد من الأسلحة النووية على نحو يتسم بالشعور بالمسؤولية وبشكل آمن من دون نقل بعض هذه الأسلحة إلى الخارج، وهي يستجيبون للضغوط الدولية الرامية إلى تفكيك هذه الأسلحة بأسلوب معقول يتسم بالمرونة؟

كان كيم جونغ إل طيلة العقد الماضي يؤكد على أهمية سياسة "المؤسسة العسكرية أولاً" التي انتهجها. ونتيجة لهذا فمن المنتظر أن يكون للجيش الهيمنة في اتخاذ القرار فيما يتصل بالقضايا المهمة مثل المفاوضات الخاصة بالتسلح النووي. ولكن الحكم العسكري يتسم بالميل إلى عدم التفهم الكامل للعواقب الضمنية المترتبة على القرارات السياسية ـ وهي المشكلة التي سوف تتفاقم في ظل الزعامة الجماعية.

ففي ظل زعامة جماعية تهيمن عليها المؤسسة العسكرية سوف يتم تهميش الكتلة البيروقراطية الاقتصادية في البلاد على أفضل تقدير. وقد يؤدي هذا إلى قمع الضغوط التي تمارسها القاعدة العريضة من الشعب طلباً للإصلاح والانفتاح الاقتصادي. ونتيجة لهذا فقد تتفاقم حالة الاقتصاد سوءاً وقد يتضخم عدم الاستقرار الاقتصادي. وعلى ضوء هذا الموقف الداخلي العصيب فقد يلجأ قادة كوريا الشمالية إلى تبني سياسة أكثر عدائية سعياً إلى الحصول على المساعدات الاقتصادية من كل من كوريا الجنوبية والولايات المتحدة.

في الآونة الأخيرة، أوضحت حكومة كوريا الجنوبية أنها سوف تستمر في انتهاج سياسة الارتباط بكوريا الشمالية، ولكن على نحو أكثر التزاماً بالمبادئ، مقارنة بالسياسات التي انتهجتها الإدارات السابقة. وهذا يعكس تشدد الرأي العام في كوريا الجنوبية، في أعقاب الاختبار النووي الذي أجرته كوريا الشمالية في العام 2006. ونتيجة لهذا التحول السياسي ـ ومقتل السائح الكوري الجنوبي مؤخراً في جبال كومغانغ في كوريا الشمالية ـ توقف الحوار الرسمي بين الشمال والجنوب منذ عدة أشهر.

إن العلاقات الدولية في شمال شرق آسيا سوف تصبح أكثر تعقيداً واهتزازاً مع انتهاء عصر كيم جونغ إل. وبعد ستة عقود من الاضطرابات، فقد ندلف إلى عصر جديد من الاضطرابات الأعظم عنفاً والأبعد عن كل التكهنات في شبه الجزيرة الكورية.

* كان وزيراً لخارجية كوريا الجنوبية أثناء الفترة من العام 2003 إلى العام 2004، ويعمل الآن أستاذاً للعلاقات الدولية بجامعة سيئول الوطنية.

خهص بالغد بالتنسيق مع  بروجيكت سنديكيت، 2008.

www.project-syndicate.org

التعليق