الوجه الأخطر لـ"أزمة "البورصات"

تم نشره في الأربعاء 17 أيلول / سبتمبر 2008. 02:00 صباحاً

لا تقف حدود أزمة الشركات المحلية المتعاملة بالبورصة عند خسارة آلاف من المواطنين لأموالهم، التي وضعوها في أيدي هذه الشركات. إذ تتبدى الكارثة الحقيقية في أنّ كثيراً ممن خُدِعوا هم من ذوي الدخل المحدود، ونسبة كبيرة منهم من أبناء المحافظات، حيث لا توجد استثمارات كبيرة ولا فرص عمل حقيقية لتحسين المداخيل. وكثير منهم ممن يعمل في القطاع العام أو من المتقاعدين من الدولة. ما يعني أنّ حجم الخسارة فادحة.

هؤلاء صدّقوا أوهام الربح الخرافي السريع. ولجأوا، تحت ضغط الحاجة والإشاعات، وفي أحيان الطمع غير المدروس، إلى التضحية بمدخراتهم المحدودة، بل وبما يمتلكونه من رأس مال ثابت، فبعضهم باع أرضه المتبقية، وآخرون باعوا حلي نسائهم.

وهنالك من اقترض أموالاً من الأصدقاء أو البنك ورهن بيته أو أرضه، وآخرون وضعوا لدى هذه الشركات، ما حصلوا عليه من "جمعيات اجتماعية"، وإلى الآن لا يزالون يسددون شهرياً من مداخليهم المحدودة أقساط هذه الجمعيات.

الحديث هنا عن تبديد "مصدر الثروة" الوحيد المتبقي لشريحة اجتماعية واسعة، عجزت عن الإفادة من مخرجات البرنامج الاقتصادي، في الوقت الذي دفعت كلفته من تضخم وغلاء فاحش، فحاولت الإمساك بالتكيف مع الحياة من نافذة البورصة، لكنها خسرت ما تبقى لها. وتتمثل النتيجة، على المستوى القريب، في حال لم تعد أموال الأغلبية، بكارثة اجتماعية على شريحة واسعة من المجتمع، تعاني أصلاً من ضائقة اقتصادية.

أحد أبرز مخرجات الحالة الجديدة، على المدى القصير، انخفاض القدرة على التكيف مع ضغوط الحياة الاقتصادية، ما يؤدي إلى زيادة معاناة هذه الشريحة. أمّا على المدى البعيد، فإنّ المحصلة ستكون في ارتفاع منسوب الإحباط ودرجة الشعور بالعجز، ما ينعكس على الجانب السياسي، وتحديداً في علاقة مواطِن "الأطراف والطبقات الوسطى والفقيرة" بالدولة.

في المقابل ليس صحيحاً أنّ الجهد الحكومي كان كافياً في التحذير من "كارثة البورصات العالمية"، حتى وإن لم يكن هنالك أداة تشريعية بيد الحكومة (قبل صدور القانون المؤقت للبورصات) فإنّ هنالك العديد من الوسائل والطرق التي يمكن من خلالها مواجهة "هستيريا" المجتمع في التعامل مع البورصة.

أمّا الحديث عن إعلانات من "مراقبة الشركات" كانت تحذر من الاستثمارات الوهمية، فلم يكن (بأي حال من الأحوال) بمستوى حجم المشكلة وخطورتها. فقد كان على الحكومة أن تمتلك "قرون استشعار" حساسة وحادة منذ الفترة المبكرة لصعود هذه الظاهرة وإلى لجمها قبل أن تستشري وتصل إلى ما وصلت إليه. وربما الإشارة الأوضح الصريحة ضد هذه الشركات هي فتوى مفتي المملكة التي يحرّم فيها التعامل مع البورصات العالمية، وكان موقفاً مشهوداً له، كما كان موقفه الريادي في تحريم بيع الأصوات في الانتخابات النيابية الأخيرة.

الآن؛ المهمة الأولى هي حماية أكبر قدر من أموال الناس من الضياع والسرقة. وقد بدأت الحكومة الخطوات الفورية بتحويل ثماني شركات إلى النائب العام، وهنالك إمكانية لتحويل شركات أخرى في السياق نفسه، لعلّ هذا يكون بداية لاستعادة أموال العديد من المواطنين. فثمة قصص، يتداولها قريبون من هذا الوسط، بأن البعض تمكن بالفعل من الفرار بعد تحويل الأموال التي حصل عليها إلى حسابه في بنوك خارج الدولة. هذا يستدعي البحث فوراً عن السبل القضائية لطلبه عبر الانتربول وملاحقته حتى أمنياً، كما حصل مع حالات فساد أخرى سابقاً.

وعلى مختلف الاحتمالات، ثمة ضرورة ماسة لبناء قاعدة معلومات وبيانات كاملة ودقيقة تمثل المفتاح الرئيس للتعامل مع المشكلة ووضعها في حجمها الصحيح والمناسب، وبناء الخيارات والأدوات، لفك الاشتباك بين المعلومات الدقيقة حول الأموال والشركات المشروعة وبين الإشاعات والهواجس والشركات الوهمية التي اكتفت بتدوير أموال زبائنها أو تحقيق فوائد على المدخرات. والمسارعة في تعديل أوضاع الشركات وفق القانون المؤقت.

ولمواجهة حالة التردد لدى كثير من المواطنين في التقدم بشكوى قانونية، وربما يخجل البعض، فإنّ الحل يكمن في تشكيل لجنة حكومية متخصصة، تستقبل المعلومات والبيانات الكاملة من المتعاملين مع هذه الشركات، سواء عبر الانترنت أو المقابلات، وتدقق فيها، وتتولى هي بناء الإدعاء القانوني وتحويل المسألة إلى القضاء.

ربما تأخرت الحكومة في التعامل مع إرهاصات هذه الأزمة، لكن المطلوب أن تسارع في مواجهة مخرجاتها، والتقليل من تداعياتها السلبية على المواطن والمجتمع بأسره.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تعقيب من الكاتب (محمد أبو رمان)

    الأربعاء 17 أيلول / سبتمبر 2008.
    الأخوان خالد أبو السعود وأبو الشريف؛ الكاتب الصحافي لا يستطيع ان يلتقط كل القضايا الجزئية والفرعية، فهو في ضوء المساحات المتاحة والمقالات الأسبوعية يختار الظواهر الأكثر حيوية وتأثيرا، ولذلك لم يجر الالتفات إلى قصة البورصات العالمية إلا عندما اصبحت ظاهرة خطرة وتهدد مصالح كثير من الناس؟
    سهى؛
    لم ابن مقالي على حرمة البورصات انما اشرت إلى موقف المفتي المتقدم حول التحريم، وربما لا املك الخلفية الشرعية لأحكم عليه، لكن الفتوى تبنى على سد الذرائع، وهو ما يمكن ان اختلف معك فيه بالنسبة لهذه الشركات، فإذا كان بعضها يعمل بأسس صحيحة فالأغلب في الاحتيال، وينبغي كما ذكرت في المقال وضع قاعدة بيانات وإعادة تكييف عمل هذه الشركات مع القانون الجديد.
  • »اين ذهبت مئات الملايين ؟ (بشير ابو الذهب)

    الأربعاء 17 أيلول / سبتمبر 2008.
    انا اتساءل وافكر كثيرا اين ذهبت الملايين واين اخفوها هؤلاء اصحاب المكاتب ؟؟؟

    هل هربوها للخارج عبر تحويلات سابقه قبل انهيارهم ؟

    هل يخفوها في اماكن خاصه بمعرفتهم ومعرفه مقربين منهم ؟

    هل اودعوها في البنوك المحليه باسماء مقربين لهم ؟

    هذه الاحتمالات الثلاثه لا غيرها هي مصير الاموال ...
    لا احد يقل لي ان الاموال تبخرت ..فهذا كلام سخف وغير عملي .
    ولا احد يقل لي معلقه على الشاشات فهذه سذاجه وقله عقل ..

    الاموال موجوده ولكن اين خبئوها هؤلاء المجرمين الذين اجرموا بحق الوف الناس ؟

    اذا تم التحويل للخارج , يجب جعلهم يعترفوا بذلك , واجبارهم على اعادتها للبلد من خلال اجراءات حكوميه تجبرهم على ذلك !؟
    اما اذا الاموال ما زالت في البلد , فهذا سيكون اسهل كثيرا لتحصيلها منهم واعادتها لاصحابها ..

    الخلاصه : لا يجوز باي حال من الاحوال بان نقول الاموال تبخرت او اختفت او ذهبت مع الريح فهذه مقولات كانت تستعمل في الماضي ام حديثا لا شيئ يتبخر او يختفي لان الاساليب الحديثه تكشف كل ما يخبأ وبسهوله .
  • »أين كنتم قبل انفجار الأزمه؟ (خالد أبو السعود)

    الأربعاء 17 أيلول / سبتمبر 2008.
    تمتلىء الصحف هذه الأيام بالتحليلات و المقالات التي تبحث في موضوع البورصات العالميه رغم أن هذا الوضع موجود منذ ما يزيد عن عشر سنوات و المخالفات واضحه و التقصير من الجهات الرسميه أكثر من واضح. و لكن السؤال الهام يبقى أين هو دور الصحافة و الصحافيين في التحذير من الخطر و تنبيه الرأي العام و الرسمي قبل حدوث الانهيار؟
  • »الدوائر المختصة مشغولة بملاحقة بقال (eyad shehadeh)

    الأربعاء 17 أيلول / سبتمبر 2008.
    نعم والله هذا ما أعنيه فوزارة التجارة والصناعة تقوم بإرسال العسس والخفر وتنشر جنودها في الأسواق لمخالفة بقال لم يعلن سعر العلكة أم خمسة قروش أو صاحب مكتبة صغيرة لم يضع لاصق سعر على كل دبوس وممحاة ومبراة وقلم ومسطرة. والمقصود من التعليق.
    أين كانت وزارة الصناعة والبلديات ودائرة ضريبة الدخل مما يجري ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ كيف استطاعت هذه الشركات ممارسة العمل دون التراخيص المطلوبة من البلديات والوزارة ؟؟؟ ثم إذا قامت هذه الجهات بالرد بأن هذه الشركات حصلت على التراخيص اللازمة فما هو الأساس الذي حصلت بموجبه على الترخيص حيث أنه لم يكن هناك قانون ينظم هذه المهنة ؟؟؟؟ وفي حالة البقالة يأتي مسؤول الصحة بمليون قانون مانع للكثير من الممارسات في البقالات (طبعاًالمولات والأسواق الكبيرة لا تشملها هذه القوانين المانعة فنحن تكييفننا لا يوازي تكييف إحداها ويحق لها وضع الجبنة بالممرات أما نحن فممنوع لأننا بقالة) المقصود من هذا كله أن الكل كان مبسوط ومكيف على الأرباح فلماذا التباكي الآن على الخاسرين ؟؟ لماذا لم يتم لصق صفة النصب والاحتيال بهذه الشركات عندما كانت تدفع الأرباح؟؟؟ الواقع الجميع ملام وبالدرجة الأولى المواطن الطاع والجشع والكسول الساعي إلى أرباح وثروات خيالية دون مجهود يذكر. لو كنت صاحب قرار لقمت بتعيين هؤلاء البورصويون كخبراء لاستخراج النفط وشطب مديونية المملكة باستخدام سحرهم في استخراج الدفائن من الكمائن.
  • »هذا لو سلمنا بان البورصات حرام (سهى)

    الأربعاء 17 أيلول / سبتمبر 2008.
    انا من المؤمنين بان البورصه حرام
    لكن جدلا
    بني المقال كاملا على اساس ان المضاربة في البورصه والشركات كانت اصلا للنصب ويعتب الكاتب على الحكومة لعدم تدخلها بجدية لانهاء هذا النصب والسرقه

    لكن
    ربما لا
    ربما هذه الشركات لم تكن شركات نصب
    وان الارباح كانت حقيقية وان الاهداف كانت شريفه
    اين يضع هذا حكومتنا الرشيدة؟؟
    الا يضعها في مكان الهدم والتدمير لاي مجال فيه منفعة المواطن؟؟
    وخصوصا ان هذه الشركات تتشابه والارانب من حيث الحياة
    فموت ارنب واحد في مزرعة كفيل بنقل العدوى وموت كل الارانب

    وهذا ما حدث
    سقوط شركة واحدة
    اثار الذعر بالنفوس وجعل الناس تسارع لسحب اموالها مما اسقط ويسقط الشركات الباقية

    الحكومة اثبتت ان المواطن هو بقرة حلوب من خلال الاجرائات التصعدية في الجباية بحق المواطن
    فانا لا استغرب مطلقا ان انهيار شركات البورصه هو مارد اخرجته الحكومة من قمقمه بدافع الطمع والجباية
    لكن مارد الغضب والقهر والفقر
    دمر كل شيء

    مليونين اردني يتقاضون اقل من 83 دينار شهريا
  • »مأساتنا نحن العرب (أبو الشريف)

    الأربعاء 17 أيلول / سبتمبر 2008.
    الماساة في وطننا الحبيب هي عدم وجود ثقه بيننا, فبعد ما صارت مشكلة الماتركس, وزي ما بيقولوا اذا وقع الجمل كثرت السكاكين.. أنا متابع الشركات هاي من زمان, وما عمري قرأت لا بجريدة ولا بمجله ولا بفتوى اي تعليق او مقال او.... المهم هي في اليوم اكثر من 5 مقالات, و فتاوي, .... وين كنتو؟؟؟ اذا مو قادرين تقرؤا الحاضر والمستقبل سلموها لغيركو.. في رب رح يحاسب الجميع..