صناعة الحرب الإسرائيلية

تم نشره في الخميس 11 أيلول / سبتمبر 2008. 02:00 صباحاً

من أشد مخاطر سياسة وعقلية الحرب، حين يصبح أحد دوافع الحروب هو جني أرباح مالية من الحرب ذاتها، وحين يكون لأصحاب الشركات المصنعة للأسلحة والذخيرة دور في اتخاذ قرار الحرب، وهذه ظاهرة متنامية بوتيرة سريعة جدا في إسرائيل، إذ إن سياسة الحرب أصبحت تخدم الاقتصاد العسكري الإسرائيلي المتنامي حتى في الأسواق العالمية.

ففي الأيام الأخيرة تكاثرت الأنباء حول "مخاوف" إسرائيلية من أن يختطف حزب الله اللبناني ضباطا كبارا في الاحتياط في جيش الاحتلال والأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية يتجولون في العالم، هذا انتقاما لاغتيال القائد العسكري في الحزب عماد مغنية.

ويظهر من سلسلة تقارير إسرائيلية أن الحديث يجري عن ضباط وجنرالات احتياط يعملون حاليا في شركات لصناعة وتسويق الأسلحة والخبرات العسكرية، ليتزامن هذا مع تقارير اقتصادية حول اتساع حجم الصناعات العسكرية الإسرائيلية في العام الماضي 2007، وتناميها في العام الحالي.

ولطالما تتبعنا في الماضي أنباء تتحدث عن شركات عسكرية وأمنية إسرائيلية منتشرة في دول أميركا اللاتينية وأفريقيا، وحتى منها ما يعمل لصالح كبرى كارتيلات المخدرات، وأخرى تعمل لدى حكومات تحارب نفس تلك الكارتيلات، وشركات أخرى منتشرة في أفريقيا، بالذات بين مجموعات متمردين.

وكما يبدو فإن هذه تقارير باتت قديمة لنقف اليوم أمام ظاهرة باتت أوسع، فتجارة الحرب الإسرائيلية بمختلف أشكالها، من أسلحة وذخيرة وخبرات وتدريبات باتت منتشرة في عشرات دول العالم، وفي جميع القرارات، فيكفي أن نلتقط تصريحا لجنرال كبير في الاحتياط بقوله لصحيفة "هآرتس"، إن 15 شركة إسرائيلية في مجال العسكرة تعمل في دول إسلامية وشرقي آسيا وأوروبا تعتبرها إسرائيل دولا خطرة من حيث إمكانيات الاختطاف، وهذا غيض من فيض لشركات أكثر وفي نطاق أكبر.

ومنذ سنوات طوال، جعل ضباط إسرائيليون كبار من خبراتهم العسكرية، واتصالاتهم مع أجهزة عسكرية في دول العالم، مصدر رزق ضخم لهم، بعد أن يخلعوا بزاتهم العسكرية ويتحولوا إلى الاحتياط، ويقول المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس"، عاموس هارئيل، إن "مئات الضباط الكبار يجنون أرباحا كبيرة في دول كثيرة، وفي كثير من الأحيان فإنهم انتقلوا إلى مجال العمل هذا، بعد يوم واحد من إنهاء خدمتهم في الجيش والأجهزة الإسرائيلية، وبطبيعة الحال فإن هذا يتم بعد حصولهم على تراخيص من الأجهزة الإسرائيلية المختصة".

إلا أن هارئيل يقول إن الرقابة على عمل هؤلاء ليست بالقدر الكافي، وإن الأمر قريب من الخروج عن السيطرة، "وما يجب أن يقلق إسرائيل ليس محاولات الاختطاف لبعضهم، بل أن تتسرب خبرات عسكرية واستخباراتية لجهات أخرى".

ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل إن الصناعات العسكرية الإسرائيلية تسجل في السنوات الأخيرة ازدهارا وبوتائر عالية جدا، إذ تبين من تقارير اقتصادية نشرت في الأيام الأخيرة، أن الشركات الصناعات الحربية الإسرائيلية أنتجت في العام الماضي 2007، بما قيمته 8,15 بليون دولار، من بينها 6,2 بليون للتصدير، في حين ان لدى هذه الشركات صفقات مستقبلية، كان حجمها حتى نهاية العام الماضي 16,5 بليون دولار، عدا الصفقات التي تم إبرامها خلال العام الجاري، بمعنى أنه لدى تلك الشركات احتياطي صفقات يضمن لها العمل ما بين عامين إلى ثلاثة أعوام، وبطبيعة الحال فإن هذا مستمر دون توقف.

وفي إسرائيل حاليا أربع شركات كبرى للصناعات الحربية، منها ثلاثة كبيرة جرى خصخصة قسم كبير منها، وتتباهى وزارة الحرب الإسرائيلية بأن هذه الشركات باتت تحقق أرباحا كبيرة، وهذا ما يدفع الوزارة لخصخصة قسم كبير من الشركة (الحكومية) الرابعة، التي تدعي تقارير اقتصادية أنها لم تحقق النجاح الاقتصادي المطلوب.

كذلك هناك 11 شركة "صغيرة" بملكية خاصة، بلغ حجم انتاجها في العام الماضي 2007 حوالي بليون دولار، ويعمل في مجمل هذه الشركات، بما فيها الشركات الكبرى، حوالي 40 ألف عامل.

بطبيعة الحال، فإنه ليس كل من لديه رأس مال ما بإمكانه ان يقرر وحده التوجه نحو الاقتصاد الحربي، بل عليه ان يحصل على التراخيص الملائمة من الأجهزة الإسرائيلية على أعلى مستوياتها، ومن يخوض هذا المجال عليه ان يكون صاحب رأس مال ضخم، ومقرب جدا من دائرة اتخاذ القرار، خاصة العسكرية منها.

وهذا التقارب لا يمكنه ان يكون في اتجاه واحد، بل هناك تداخل في المصالح، وليس صدفة أن فضائح الرشى في هذا المجال أيضا لا تتوقف، وما يكشف عنها من فضائح، تكون ما لا يمكن التستر عليها نظرا لحجمها، إذ إن الحديث يكون عن ملايين الدولارات وأكثر، وفي ظل أجواء كهذه لا يمكن استبعاد أن أهدافا اقتصادية خاصة تقف أيضا إلى جانب أهداف استراتيجية لدى اتخاذ قرارات تتعلق بالحرب.

ولكن أمام واقع انتشار كهذا فإن هناك استنتاجا لا مفر منه، وهو أن لهذه الشركات الإسرائيلية المنتشرة في العالم يكون مصلحة في إشعال مناطق وبؤر لديها جاهزية للقتال والحرب، فعندما تدور الحروب، يتنامى الاستهلاك الحربي، مما يحرّك آلات المصانع الإسرائيلية بالذات، فهؤلاء سماسرة لشركات إسرائيلية دون سواها.

وبطبيعة الحال أيضا، فإن الأمر لا يتوقف فقط عند الجانب الاقتصادي، فهذه الشركات وهؤلاء الخبراء يتجولون في العالم بتراخيص إسرائيلية خاصة، وهم أبناء المؤسسة العسكرية الأمنية، وخدامها المخلصون لها، لذلك فإنهم يستغلون تغلغلهم الاقتصادي لتغلغل سياسي، يجعل لإسرائيل نفوذا في العالم، وإسرائيل من الدول التي لا تهمل أصغر الدول التي بالكاد يظهر اسمها على الخريطة، من ميكرونيزيا (80 ألف مواطن) إلى القوى الكبرى في العالم.

[email protected]

التعليق