د.أحمد جميل عزم

جيش الأمة...عصبة الموت

تم نشره في الجمعة 5 أيلول / سبتمبر 2008. 03:00 صباحاً

دعا تنظيم "جيش الأمة" في قطاع غزة قبل أيّام صحافيين لزيارة معسكر التدريب الخاص به. وعرضت المجموعة لهم مشهدا مكررا لمشاهد سبق أن وزعتها المجموعة عبر مواقع ومدونات الإنترنت، لمجموعة تتكون من 20 – 30 شخصا تجري تدريبات عسكرية، وفي بعض الصور المتوافرة للجيش يضع أفراد المجموعة عصابات للرأس كتب عليه "عصبة الموت".

سبق وكتبت في الاتحاد الظبيانية، مقالا قبل ثلاثة أشهر، استعرض بعض ملامح هذا التنظيم، وبإضافة المعلومات الجديدة التي كشفها التنظيم عن نفسه، إلى المعلومات السابقة ولبعض ما تسرّب في الأشهر الفائتة تزداد فرص التعرف على هذا التنظيم، وعلى طبيعة علاقته بتنظيم "القاعدة"، وبحركة "حماس" وبالحركة السلفيّة عموما.

من الناحية الفكرية يتضح من تحليل بيانات وتصريحات قادة المجموعة – التي أتيحت في الصحافة وعبر الإنترنت- أنّ هناك شخصا واحدا على الأغلب يصيغ مرجعية فكرية لها، وهو ما يتضح من التشابه في أسلوب الكتابة والتعبيرات والأفكار. وهي أفكار أقرب لفكر الجماعات السلفية الجهادية المتأثرة بفكر سيد قطب، وهو ما يمكن استنتاجه من عبارات وردت في بيانات للجماعة مثل أنّ "فكرنا جاء نتاجا طبيعيا لتطور الفكر الإسلامي الجهادي الذي بدأ يطرح نفسه في منتصف القرن العشرين"، ومن اقتباس مصطلحات قطب المعروفة، ومنها على سبيل المثال: "الحاكميّة الإلهية التي لا تنتظم حياة البشرية إلا في ظلها". ويتضح إعجاب "منظري" المجموعة بسيد قطب بوجود مشروع لديهم لنشر كتبه على الإنترنت.

تأييد المجموعة لتنظيم "القاعدة" واضح، لأنّ المجموعة تبدو كمن تعلن نصرة وتأييد أيمن الظواهري، في حديثه ورسائله عن التدرج في المضي في حلقات الجهاد التي تضيق تدريجيا إلى حين الوصول لفلسطين، فتعلن المجموعة، أنّها "جزءٌ من التطبيق العملي للمرحلة الثالثة من مراحل خطة واستراتيجية الجهاد العالمي". ومن الواضح أنّ التنظيم يولي أهمية خاصة لطروحات كل من أبو قتادة وأبو محمد المقدسي، الفلسطينيّي الأصل، وسبق، لتنظيم "جيش الإسلام" في غزة، المطالبة بإطلاق سراحهما، وهو ما يعزز فرضية أنّ بعض الأشخاص ممن كانوا على اتصال بهذين الشخصين، اتصلوا مع بعض النشطاء في غزة.

وبهذا يمكن افتراض أنّ المصدرين الرئيسيين لفكر المجموعة، جاءا عبر الاتصال أو التأثر بطروحات جماعات الجهاد المصريّة المتأثرة بفكر سيد قطب، وبـتأثير "العائدين من لندن"، وأفغانستان وباكستان، ممن كانوا على اتصال مع أبو قتادة.

كما أنّ عداء المجموعة للشيعة والنصارى، شأنهم شأن تيارات السلفيّة الجهاديّة واضح في بيانات المجموعة، ويعتبر المدعو أبو بصير الطرطوسي المتخصص في مهاجمة إيران والشيعة أحد مراجع المجموعة الأساسيين.  

على أنّ المجموعة رغم كل ذلك تبدو في معضلة فكرية، تشابه ما وقع فيها حزب التحرير في فلسطين، وما وقع فيه الإخوان المسلمين حتى نهاية الثمانينات. فالمجموعة تردد مقولة أنّ هدفها هو "إقامة دولة الإسلام التي ستقوم بحل جميع مشاكل الأمة"، في إشارة إلى أنّ تأسيس الدولة الإسلامية يسبق التحرير. لكن الممارسة على الأرض تختلف، إذ يصعب اجتذاب تأييد كاف بين الفلسطينيين من دون ممارسة الجهاد عمليّا، ويشار هنا إلى أنّه أمكن ملاحظة 35 عملية صغيرة الحجم قامت بها المجموعة منذ منتصف العام الفائت، تشمل إطلاق نار بالبنادق وصواريخ تسميها صواريخ "القعقاع" على أهداف إسرائيلية.

أمّا مدى انتشار التنظيم فيلاحظ، مما نشرته وكالة "رويترز"، أنّه تنظيم محلي، يكاد ينحصر في جنوب قطاع غزة، في مدينتي رفح وخان يونس، وهذا يذكِّر بتنظيم "جيش الإسلام" الذي تمت الإشارة له لدى ظهوره بأنّه تابع لتنظيم "القاعدة" قبل أن يتضح أنّه تنظيم عائلي، يتبع عائلة "دغمش".

كذلك فإنّ تركيز المجموعة على قتال اليهود، والقيام بعمليات مسبقة اشترك فيها التنظيم مع تنظيمات يسارية مثل "كتائب أبو علي مصطفى"، يؤكد صعوبة تصنيف التنظيم باعتباره جزءا من تنظيم "القاعدة".

والواقع أنّ كل ما يتجمع من معلومات عن المجموعة يوضح أنّ هذه المجموعة إفراز فلسطيني محلي ناتج إلى حد كبير عن حالة يأس من التنظيمات الكبرى، لذا يتم اللجوء لتشكيل مجموعات محلية وإن طرحت أفكارا أممية عامة. وهي ظاهرة تتشابه مع تكاثر التنظيمات اليسارية الفلسطينية الصغيرة في الستينيات ومطلع السبعينيات. ويعزز عدم تجاوز العناصر التي يتم توزيع صور لتدريباتها بين الحين والآخر عن نحو 30 شخصا في جميع الحالات، القول بمحدودية حجم التنظيم.

أمّا عن علاقة المجموعة بحركة "حماس" فإنّ مسوؤلي المجموعة أوضحوا لرويترز، وجود نوع من التفاهم القائم على غض "حماس" النظر عن نشاطات المجموعة مقابل عدم تدخل الأخيرة في السياسات الداخلية الفلسطينية، وعدم فرض معتقداتها على أهالي غزة بالقوة. وهذه الشروط بحد ذاتها تميّز المجموعة عن تنظيم القاعدة، الذي يسعى دائما لفرض تصوراته بالقوة.

ربما يكون تقييم "حماس" للمجموعة أنّها هامشية معزولة، لذلك لا داعي لفتح خلاف معها، طالما ابتعدت عن معارضة "حماس" علنا، بل يلاحظ أن البيانات التي تشير لعمليات للمجموعة ضد إسرائيل توقفت مؤخرا ما قد يشير لالتزام المجموعة بتهدئة "حماس" وفصائل أخرى مع إسرائيل.

بالنتيجة لا يمكن فقط القول إنّ المجموعة ليست جزءا فعليا من تنظيم "القاعدة"، وحسب، وهو ما يؤكده قادة المجموعة، بل ويمكن توقع أنّ هناك ظروفا موضوعية ومؤشرات تجعل من الصعب عليها أن تصبح كذلك، وإنّ التقت معه على أساس مجموعة من الأفكار السلفيّة، كما يتضح أنّ مثل هذه المجموعة مجرد نتاج لغياب إطار عمل وطني عام، ولعدم قناعة شرائح فلسطينية واسعة بأداء الفصائل الرئيسية بدءا من فتح وانتهاء بحماس.

aj.azem@gmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »صراع (raed sammour)

    الجمعة 5 أيلول / سبتمبر 2008.
    الصديق أحمد عزم
    لا زلت كما كنت في الجامعة الاردنية تهتم بالتفاصيل وهذا طبعا ليس عيبا فيك وانما حالة من حالات الكمال الفكري ولكن اسمح لي يا صديقي أن اقول ما يلي :
    1- إن حالة اليأس امتدت من غزة إلى الضفة إلى الشتات من تنظيمات لا مصلحة لها إلا مصلحة قادتها فها هي فتح تشيخ وحماس تتمرد والفصائل الباقية كما يقول المثل "ما بكملوش حملولة بكب" كلهم اللهم اني اسألك نفسي
    2- ان ظاهره التنظيمات السلفية وخاصة في غزه ليست محدودة وانما في حالة تفريخ دائم فالتنظيمات اصبحت موضه في غزه كل يوم بطلع شي جديد
    3- إن الإشارة إلى أن أبو محمد المقدسي من أصول فلسطينية لا أدري لماذا اقحمت في مقالتك
    4- اما الالتزام بالهدنة فأنا أرى ان حماس تفرض هذا الامر على كل كائن حي في غزه وتقول عن هذا الامر انه عمل وطني من الدرجة الاولى وتتناسى حماس عملياتها وتخريبها لأكثر من هدنة وخاصة عندما كان يكون هناك افراج عن أسرى
    5- هذه دعوى للمثقفين من أصول فلسطينية لمن هم من غير المؤطرين بعصابات التنظيمات الحاكمة في فلسطين المحتلة إلى جمع شتاتهم في اطار مبادرة لانقاذ ما يمكن انقاذه من القضية الفلسطينية لانها تحولت من قضية حقوق وطنية إلى حقوق فتح المعابر والزيت والكاز والسولار
  • »عصابات هدفها التشجيع على قتل الآبرياء من اهلنا في فلسطين (د. عبدالله عقروق ..بيروت مؤقتا)

    الجمعة 5 أيلول / سبتمبر 2008.
    لا اسميهم تنظيما بل عصابة هدفها التخريب وتميع القضية الفلسطينية وبالتالي تقوبة اسرائيل وجعلها أن تكسب الرأي العالمي ، وتشجيعهم على الآعتداءات الآنتقامية ضد المواطنين الآمنين ..
    30 منظما لا فائدة معنوية ولا مادبة سوى اعطاء فرص للعدو الصهيوني بأن يتمادوا في بطشه ضدالآهل العزل .
    من يريد أن يخدم القضية فانه يعمل بالظلام ولا يعقد مؤتمرات صحفية ليكشف عن هويته وهن اعضائه.
    مثلهم مثل فتح وحماس والجهاد الآسلامي يخدمون اسرائيل بطرقهم الخاصة ، وهم يعتقدون انهم يخدمون القضصية ...فأعمالهم غير الوطنية والواقع المرير بعيدة بعد الثرى عن الثريا
  • »نا اعترض على هذا الراي (محمدعصام الشولي)

    الجمعة 5 أيلول / سبتمبر 2008.
    اسلام عليكم ورحمة الله وبركاته واما بعد اني احترم رايكم لاكني اعترض على المفاولة