هاني البدري

عربة اسمها النجاح

تم نشره في الأربعاء 20 آب / أغسطس 2008. 02:00 صباحاً
منذ بدأْت تجربة (خارج منطقة التغطية) عبر الغد،ب دأْت تجربة جديدة لم أكن قد تعودت عليها اثناء مسيرتي التلفزيونية، تجربة الصدى او رد فعل الجمهور..، فجمهور التلفزيون مختلف بأدواته وآلياته وردود فعله عن جمهور القراء، ذلك ان مشاهدي التلفزيون في الاردن والعالم العربي يزيدون بأضعاف مضاعفة عن القراء.. واذكر هنا مقولة احد اساتذة الصحافة الاردنية الكبار عندما قال "نحن شعب لا نقرأ.. ولا نكتب".

أعود لتجربة التفاعل مع القارئ وردود فعله..وهي احد اهم المؤشرات التي تسعد الكاتب لاكمال دائرة التواصل الاعلامي وربما تساعده، لكن ما لفت نظري بشكل خاص تلك الردود التي لا تحمل الا كلاما كبيرا، اشبه بالشعارات التي توضع على يافطات القماش اثناء حملات مكافحة التدخين او حوادث المرور او العنف الاسري.

أحد تلك الردود قالت رداً على مقال (حسن ومرقص) نهاية عادل امام وبداية عمر الشريف: "بشهادة التاريخ الطويل للأسطورة.. وبشهادة المعجبين بالمسيرة الإبداعية الطويلة لهذا الاسطورة.. الجمهور صفق طويلاً.."

يتابع الرد .. "يا ليت نوقف الحقد على الابداع والمبدعين..".

دفعني كلام القارئ المحترم، ومع تقديري للردود كافة التي اعتبرها بوصلة ترشد الكاتب في كثير من الاحيان، إلى الكتابة عن موضوع النجاح ومحاربة النجاح.

واستذكر هنا المقولة التي ما يزال يكررها الفنان دريد لحام حول اكبر الاحزاب في العالم العربي، وهو حزب اعداء النجاح.

البداية تبدأ عندنا وربما في كثير من المجتمعات العربية في مجالس النميمة و"التنبلة" مؤسسات صناعة الاشاعة وادارة الاغتيال.. "كلام كبير" نعم اضحت هذه المجالس مؤسسات متكاملة بوسائلها وادواتها وتجاربها ومنتجاتها.

والعملية الإنتاجية كما يدرك الكثيرون الآن تبدأ عندما يشم احد اولئك العاملين على هذه الصناعة.. خبراً حول شخص ما أصاب نجاحا او تقدماً.. يدخل في خط الانتاج.. فتبدأ عمليات الحفظ والتعليب والتغليف حتى يصبح صديقنا في خبر يا ليت..

هذه الآلية التي وان بدت مشهدا من فنتازيا لرأفت المهيي الا انها حقيقية ونتابعها ونراها كل يوم، حتى اصبح الناجح في مجتمعاتنا كالقابض على جمرة، عليه ان يقضي يومه في التفسير: لماذا وليش، وان يفني عمره في الدفاع عن نفسه وتبرير نجاحه..

هذا بدل ان يستثمر كل لحظة في تاريخه لخلق جذور تمتد الى اقاصي الارض لشجرة النجاح التي لو استظل فقط تحتها الرجال لكان الخير قد عم الجميع.. فماذا لو انهم قطفوا من ثمارها او تعلمو ان يزرعوا من شتلاتها شجرا للجميع..

هذا هو الخط العلمي الدراماتيكي الطبيعي لاي قصة انجاز؛ فالنجاح الحقيقي، برأيي، الانجاز الذي يحققه فرد او مؤسسة لخدمة الفرد والمؤسسة ولخدمة البقية.

وأقصد بالبقية تلك التي تقدَر قيمة التعلم والتودد لهالة النجاح لربما يطالها من الحب جانب. وكلمة الحب هنا ليست مقحمة!! فمن يقترب للنجاح حباً غير ذلك الذي يلتف ويدور حوله.. متأبطاً شره!!

لانه –عندنا- الناجح (اللي بيرفع ايده).. لا يجد دائما يداً لتصافحه وتضمه الى الحضن.

بل يضع اصدقاؤنا في مؤسسات الانتاج التحبيطي, الاستخفافي كافة المبررات لنجاحه.. الا المبرر الحقيقي الذي يمكن ان يكون وراء نجاحه، مرة بسبب قربه من مسؤول، واخرى لقدرته على النفاق (والزئبقة ومسح الجوخ).. ومرات لاسباب اصبحت حتى بالنسبة لصناع الشائعة انفسهم.. قديمة وبالية..

ومهما اختلفنا في تفسير أو توصيف مقياس (النجاح) تبقى او كانت الكلمة لزمان طويل، مفهوم إيجابي بالمطلق، تحولت بعدها لتصبح سلبية بمفهوم اليوم، ذلك ان الامور قد اختلطت، واصبح النجاح تهمة في بعض الاحيان او جريمة في احيان اخرى.

فكيف ان نتخيل كل هؤلاء الشباب المبدعين الذين تنجبهم بلادنا، يعملون بيننا ويبدعون، لكن احداً لا يلتفت لموهبتهم ونجاحهم بل على العكس يحاربون، وعندما يهاجرون للخارج ونراهم على الشاشات وفي اخبار الصحف ندرك كم قُدَروا وقُدَر نجاحهم.

نعود وقتها "لنتفشخر" ان هذا الحاصل على نوبل للفيزياء ابننا عربي، وذلك الذي يلعب قائدا لمنتخب فرنسا.. ابننا عربي. وذلك الصحافي الكبير.. او المذيع المتوهج او حتى قائد الحزب الفلاني في نيكارغوا عاش هنا بالقرب من قريتنا..

ومن هنا استذكر تجربة شخصية مهمة عشت تفاصيلها – المؤلمة- ايام كنت ما أزال امتلك نفس التحدي والعنفوان. ببساطة مجموعة علماء عرب كوَنوا لانفسهم شبكة (استا) وهي شبكة العلماء العرب في الخارج بهدف الاعلان عن وجود منجزات علمية وتكنولوجيه غاية في الاهمية والحساسية في الخارج.. والاسهام في تحقيق عملية نقل حقيقية ومتوازنة للتكنولوجيا من الغرب إلى منطقتنا وتحفيز مسيرة البحث العلمي العربي والفارق عن غيرها من المنجزات أن اصحابها هم عقول عربية مهاجرة وجدت ضالتها وفرصتها وراء بحارنا وخلجاننا العربية.

وهذه ليست القضية التي اود الاشارة اليها، فقط استذكر الدكتور فاروق الباز الذي اسس عدة منظومات عملت بها مركبة ابوللو، وما تزال أبحاثه واكتشافاته الاستراتيجية في مجال علم الفضاء يستفاد منها في محطة ناسا الفضائية وتدرس ايضا في المعاهد العلمية الاميركية، الدكتور فخري البزاز عميد كلية العلوم النباتية في جامعة هارفارد ورائد نظرية البيئة والتطور النباتي المنظور للعقود القادمة.

والدكتور الصديق عيسى بطارسة ابن سوف صاحب عشرات الاختراعات التي سُجلت حصريا له في مجلس الاختراعات الاميركية والحائز على عدة جوائز عالمية.. هؤلاء ناجحون هؤلاء قوم صنعوا النجاح الحقيقي ولم يطنطنوا لانفسهم ومنجزاتهم لانهم لا يملكون وقتا فارغا يقضونه في الاعلان عن اسمائهم وقصصهم لذلك جاءت فكرة (استا) حتى تعلمنا نحن في عالمنا الذي لا نبارحه كثيرا كيفية (انتهاز) نجاح هؤلاء الرواد والافادة من اعمالهم هم وغيرهم كثيرون.. لكن الفكرة حيث انتقلت الى الجانب الآخر من البحار تلقفها الاعداء الحقيقيون للنجاح الحقيقي..

وماتت باكورة الامل في التواصل مع سفرائنا النجوم في الخارج..

استذكر هذه التجربة وقد عملت فيها ومن خلالها وعبر تأسيس منظومة اعلامية لتسويق هذه الشبكة وانجاحها استذكرها بألم وانا ارقب شبكات ونوادي ومنتديات وممثلين وعارضي ازياء تمكنت منظومة التفاهة والغباء ان تجعل منهم مُثلاً عُليا لابنائنا وتحول انجازاتهم الفاضلة –الى احلام لا يجرؤ اولادنا عليها وهم في حالة اليقظة!! وهنا في هذه الفقرة. انا عدو نجاح!!

ثم ان ثمة ظاهرة او موضة جديدة بدأنا نتلمسها بوضوح وهي ان الكل الناجح والفاشل و(المقمط بالسرير).. كلهم يتعربشون بتلك العربة التي اسمها النجاح وحزب اعداء النجاح..

كيف لا والكل اصبح يملك من الآليات والادوات ما يؤهله لان يقف ويقول..انا محارب لانني ناجح.. حتى اولئك المطربين او انصافهم ممن غنوا للحمار والموز والتين والسجاير.. يقولونها بصراحة في بعض المجالس.. "حزب اعداء النجاح يحاربوننا" (بطلعلكم..)

اختلفت الامور حتى العظم.. وراح الطائع بجريرة العاصي فضاعت الفكرة اصلا.. وضعنا معها.. واضحت الاشياء (على رأي الصديق محمد منير) "سداح مداح" واياك ان تتفلسف وتذكر موضوع النجاح والفشل فالرد جاهز دائما..

"ما هو ما بنضرب بالحجار الا الشجرة المثمرة.." الغريب ان هذه الشجرة على غير عادة الشجر..مثمرة على مدار العام وتحذف بالحجارة على مدار العام ايضاً..

وهنا استذكر ان كاتباً عربيا ًكتب في هذا المجال.. "وحدها الاشجار المثمرة من يطلق عليها الصغار حجارهم بغية اسقاط شيء من لذيد ثمرها فيلتقطونه فرحين.."

واذا كنت قد استعرت عنواني اليوم عربة اسمها النجاح من اسم الرواية العالمية الشهيرة "عربة اسمها الرغبة" لتينيس وليامز.. اود هنا ان استعير كلمات للكاتب "انا لا اعتقد بالاوغاد او الابطال.. ما يهمني هو كيفية تعامل البعض مع الآخرين على نحو حسن او سيئ.. والاهم كيف يتعامل الانسان مع الآخرين.." وأراني اقرأ بين سطور ما قاله وليامز الكثير بشأن تعامل الناس مع نجاحات واخفاقات الناس بشكل سوي وبعيداً عن العقد والحجج الفارطة ..

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ضريبة النجاح (عامر التلاوي)

    الأربعاء 20 آب / أغسطس 2008.
    تعليقا على مقالة الاستاذ هاني البدري , بعض الاشخاص لا يعرفون للنجاح طريقا ليس لان النجاح صعب المنال بل لانهم لا يعرفون كيف يصلون اليه اما لضعف قدراتهم او لسبب ما في شخصياتهم المهم ان هؤلاء الاشخاص لا يحبون اطلاقا ان يشاهدوا احدا ناجح في عمله واذا احدهم نجح وتفوق يبدأون الحرب عليه في كل مكان وزمان هؤلاء الاشخاص يعتقدون بانفسهم ان التشهير والذم بالناجحين سوف يثنيهم عن نجاحهم الا انهم في حقيقة الامر مخطئين لان الشجر المثمر يرمى بالحجر , شكرا للاستاذ كاتب المقال واتفق معه في طرحه للموضوع