الليبرالية والنموذج الليبرالي

تم نشره في الأربعاء 20 آب / أغسطس 2008. 02:00 صباحاً

ليس لدينا "مشكلات" على صعيد الأفكار في العالم العربي، بل لدينا مشكلة واحدة، وهي منهج التفكير المعياري، الذي يتجه للقياس عوضاً عن الإبداع والابتكار، فإذا أراد بعضنا اتباع نهج فكري معين، سعوا للبحث عن نموذج تطبيقي له، عرفه العالم حديثاً أو قديماً، ثم راحوا يقيسون عليه ما يصح وما لا يصح، بدلاً من أن يخضع تحديد ما يصح وما لا يصح، إلى ما يحقق مصلحتنا، في ظل مراعاة المبادئ الفكرية الأساسية بصيغتها المجردة.

عرفنا هذه المشكلة مبكراً مع "طلائع" الأحزاب السياسية العربية التي تشكلت على أساس الماركسية، فكان الاتحاد السوفيتي بمثابة "النموذج" لكل الماركسيين العرب، يعودون إلى تطبيقاته للماركسية، بدلاً من العودة إلى الماركسية نفسها وإبداع تطبيق عربي لها يناسب أحوالنا، كما فعل الصينيون حين أبدعوا "الماوية". وعرفناها مؤخراً مع حركات الإسلام السياسي التي اعتمدت ما تتخيل أنه "مجتمع الصحابة"، نموذجاً، فكانت كلها سلفية ترجع إلى فهم السلف للقرآن، لا إلى القرآن نفسه.

ها نحن اليوم نعيش الأزمة ذاتها مع الليبراليين العرب، فهم يبحثون من جديد عن نموذج يقلدون تطبيقاته، متجاوزين ماهية حاجتنا الحضارية لليبرالية، وخصوصياتنا حين ننادي بالليبرالية. وليس الخلاف على محتوى الليبرالية المطلوبة إلا جزء من هذا السلوك المرضي في التفكير، فهو في جوهره خلاف على ماهية النموذج الذي علينا اتباعه، لا على "خصوصيتنا الليبرالية": أهو نموذج الليبرالية الكاملة التي تقول بها قوى يمينية الطابع في أوروبا، أم نموذج الاشتراكية الديمقراطية الذي ينادي بالليبرالية سياسياً واجتماعياً، وبالعدالة وتدخل الدولة اقتصادياً؟!

وهذا يعني أن النتيجة التي أصابتها التيارات الفكرية السابقة، والمتمثلة بتعميق الأزمة الحضارية العربية، ستكون ذاتها النتيجة التي سيصل إليها أدعياء الليبرالية العرب، المعجبون بنماذج الآخرين وإنجازاتهم، وهي التي تحققت في سياقات تاريخية وظروف ثقافية مختلفة.

وهكذا، فإن المشكلة لم تكن يوماً في ماهية الأفكار، بل في النهج الفكري القياسي والمعياري، غير الإبداعي، الذي سيطر على حياتنا السياسية منذ دخلت مشاريعنا النهضوية مجال السياسة. وبكلمات أخرى، فإن مختلف الأفكار التي عرفها العرب في محاولاتهم الإصلاحية والتحديثية والنهضوية، ماركسية أو قومية اشتراكية أو إسلامية أو غيرها، كانت بالضرورة ستصيب قدراً ما من النجاح، لو قامت على أساس التفكير الإبداعي الخلاق، المنطلق من الفكرة المتّبعة، لا على أساس المحفوظات والالتزام المدرسي بنماذج الآخرين وتطبيقاتهم الموافقة لظروفهم.

ما يجب قوله اليوم، وقد بدا أن الليبرالية "هي الحل"، بحسب ما نستعمله من تعبيرات شمولية وإكراهية، تدّعي الديمقراطية، إن علينا عدم الوقوع في المطب "المعياري" ذاته، بل علينا إبداع ليبراليتنا الخاصة، المتوافقة مع ثقافتنا وظروفنا الموضوعية، كي يكون تطبيقها مقبولاً أولاً، وكي يكون نجاحها ممكناً، تالياً.

بالطبع، لن نختلف على حاجتنا إلى الليبرالية السياسية، وسيكون الاختلاف حول المضامين الاقتصادية والاجتماعية، في "النموذج" العربي لليبرالية. وإذا كان الموضوع الاقتصادي مرهونا بالمرحلة التي يمر بها كل شعب، وما يحقق رفاهه ويحل مشكلاته على الصعيد الاقتصادي، فإن الموضوع الاجتماعي مرهون أكثر بدرجة التطور الثقافي لدى الناس، وبمنظومة القيم التي يعتنقونها، وهو ما يعني أنه أكثر حساسية.

هل ثمة تناقض ضروري بين الليبرالية الاجتماعية والقيم العربية المحافظة؟ لو اعتمد الأمر على نماذج جاهزة نريد تطبيقها، فإن التناقض سيكون موجوداً حكماً، لكنه لن يكون كذلك إذا انطلقنا من حاجاتنا الحضارية لليبرالية الاجتماعية، فمحورناها حول الحرية الفردية بمعناها القائم على أهلية الفرد، وتجاوز ثنائية "العادة والإكراه" التي تحكم الثقافة الأبوية، مبقين بذلك على القيم الأخلاقية الأخرى، وهذا ليس إلا مثالاً على إمكانية نجاحنا بالليبرالية، من دون حاجة لاستقدام نموذج ليبرالي "مقدّس" وجاهز!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بالعكس! (سامر خير أحمد)

    الأربعاء 20 آب / أغسطس 2008.
    الأخ عدنان. اعذرني يبدو انك فهمت العكس تماماً أو أنك تبني قراءتك على أساس مواقف مسبقة، بمعنى أنك تتوقعها من خلال قراءة السطور الأولى، وهذا يعني انك انت ايضاً تحاكم الآخرين على أساس "نموذج" تتصوره!
  • »الرد (عدنان)

    الأربعاء 20 آب / أغسطس 2008.
    إذا كان بإمكاني قراءة أفكارك من سياق الليبرالية الجديدة والتي هي البديل البراغماتي العربي الرسمي لما تسميه انت النموذج العربي فنفهم التالي:

    - الديمقراطية ليست للعرب فهي نموذج لايصلح الا للبيض والسود والآسيويين ولكن نحن العرب بحاجة لليبرالية تتفهم تخلفنا وعدم مسؤوليتنا وتطرفنا وحاجتنا لوصاية

    - الديمقراطية النموذجية تطالب بمساواة غير مشروطة بين المواطنين. ولكن اليبرالية العربية الجديدة تعطي مساحة ضرورية للتفرقة الدينية والعرقية والإقليمية

    - الديمقراطية النموذجية تضع حرية الأوطان فوق كل الإعتبارات ومن هذا المنطلق الليبرالية النموذجية غير عملية عندنا لأنها تتطلب شيئ إسمه مقاومة عسكرية وثقافية وهذا طبعا امر غير مرغوب فيه لأن المحتل ومن وراء الطغات هم من يقف بين العرب وحريتهم

    واللائحة طويلة.....