مشروع أولمرت الهزيل والرفض الغامض

تم نشره في الأربعاء 20 آب / أغسطس 2008. 02:00 صباحاً

مشروع التسوية السلمية الذي قدمه رئيس الوزراء الاسرائيلي اولمرت لمحمد عباس, ونشرته صحيفة هآرتس الاسبوع الفائت لا يستحق أي تعليق او اية مناقشة لانه يفتقر لكل عناصر الجدية, وهو اقل حتى من بالون اختبار.

فهو من ناحية، صياغة ممسوخة جديدة لمشاريع طرحت وسقطت وتجاوزها الزمن. ومع ذلك فهو اسوأ من أسوئها.

وهو يُطلق تحت مسمى حديث في لغة التفاوض التي افرزت على مدى السنين العقيمة مصطلحات كثيرة, اغنت اللغة بالتأكيد. المسمى الحديث للاتفاقية المقترحة هو "اتفاق رف" اي Shelf agreement بالانجليزية.

وهذا يعني ان الاتفاق على الاتفاق لا يعني وضع ما يتم الاتفاق عليه موضع التنفيذ, بل وضع ما يتفق عليه "على الرف" ريثما تتوفر الظروف الملائمة للتنفيذ, وريثما تقرر اسرائيل, دون غيرها, ان وقت التنفيذ قد أزف.

ولكن الذي سيوضع على الرف للتنفيذ المؤجل هو فقط ما يخص الجانب الفلسطيني فقط. اما الذي يتعلق بالجانب الاسرائيلي فواجب التنفيذ على الفور... فالاتفاق يتحدث عن ضم ما نسبته 7% من ارض الضفة الغربية لاسرائيل حتى تتمكن من ضم المستعمرات الاسرائيلية الكبيرة لها, وخاصة الكتل الاستيطانية المحيطة بالقدس, والكتل الاستيطانية الاخرى التي ستقسم الضفة الغربية الى ثلاثة اجزاء, معزولة عن بعضها البعض.

مقابل ذلك تتحدث الاتفاقية عن تعويض الجانب الفلسطيني بما نسبته 5ر5% من الارض في صحراء النقب جنوب غزة. وبالرغم من ان تلك الارض التي تستخدمها اسرائيل كمكب للنفايات الذرية لا يمكن ان تتساوى بالقدس, ومرتفعات الخليل, ورام الله, وغيرها من المواقع التي استعمرتها اسرائيل في الضفة الغربية, بالرغم من ذلك فإن تلك الارض لن تُسلَّم للفلسطينيين إلا بعد إجراء اصلاحات تمليها إسرائيل وتقرر نتائجها, وبعد تحرير غزة من حكم حماس.

ويسقط مشروع اتفاق أولمرت حق العودة.. ولكن هآرتس نشرت الخميس الفائت (14/8) ألفي لاجئ كل عام على مدى الاعوام العشرة التي تلي الاتفاق على الاتفاق, بحيث يُصبح المجموع عشرين ألف فلسطيني, يستوعبون تحت بند لم شمل العائلات, والحالات الانسانية. اما الباقون فسيتم توزيعهم في شتى انحاء الارض كما ورد في مشاريع الاتفاقيات السابقة.

ولا ينخدعنّ احد في انه سيُسمح لفلسطينيي الشتات ان يعودوا لما سيكون الدولة الفلسطينية. لان اسرائيل لا تسمح ولن تسمح بذلك وستحدد موقفها عندما يحين الوقت لمناقشة تفاصيل كهذه.. وهنالك اكثر من اشارة من اسرائيل بأنها لن تقبل بكثافة سكانية كبيرة على حدودها لما يشكله ذلك من ضغوط مختلفة حتى لو تم في اطار تسوية سلمية.

ويسقط مشروع الاتفاق القدس على اعتبار انها مشكلة معقدة. ولكن اولمرت يدعي انه اتفق مع عباس على تأجيلها.

وهل يُمكن فصل تأجيل مسألة القدس عن فحوى التصريحات التي يطلقها اولمرت باستمرار بأن القدس الموسعة هي عاصمة اسرائيل الابدية الموحدة وان بناء وتوسيع المستوطنات ضمن حدودها الموسعة الجديدة هو شأن اسرائيلي داخلي وليس لأحد ان يتدخل فيه.. وهل نتوقع ان اسرائيل ستوقف البناء في القدس وحولها عندما تؤجل موضوع القدس لمرحلة لاحقة لا يعلم الا الله سبحانه وتعالى متى تأتي تلك المرحلة.

اما حدود الدولة الفلسطينية فقد قرر اولمرت انها ستكون جدار الفصل العنصري الذي بني على ارض الضفة الغربية, وعزل عشرات القرى, وعشرات الالاف من سكانها ورفضه القانون الدولي.

بالرغم من ان طرحا بهذه المعالم يُسقط نفسه تلقائياً, لا بد من بعض الايضاحات.

اولها: الارقام الخادعة التي تستخدمها اسرائيل عند الحديث عن النسب المئوية للارض التي ستضمها من ارض الضفة الغربية.

عندما يرد الرقم 7% فيجب ان يتم التعامل مع هذه الارقام بأقصى درجات الحذر.. فالمقصود ليس كما كانت قبل الرابع من حزيران1967. فالضفة الغربية بالنسبة لاسرائيل هي اقل من ذلك, لان اسرائيل تستثني منها القدس الموسعة, وتستثني سطح مياه البحر الميت. وفي النتيجة فإن كل التقديرات تضع ما تبقى من الضفة العربية بعد ضم الكتل الاستيطانية الكبيرة الرئيسة, وبعد ضم الطرق الالتفافية الموصلة اليها والمخصصة لاستعمال اليهود فقط, وبعد ضم المناطق اللازمة لحماية تلك المستوطنات, يصبح مجموع ما ستقتطعه اسرائيل من الضفة الغربية اكثر من 42%.

اما الايضاح الثاني فهو اصرار اسرائيل على بقاء وجودها في وادي الاردن وهو مطلب يتكرر في كل مناسبة.. ولا يعني عدم ذكره في مشروع اولمرت تخلي اسرائيل عنه.

ربُما لأن اولمرت لم يقصد من مشروعه هذا ان يكون بالفعل ورقة حقيقية للتفاوض بقدر ما اراده طرحاً لارضاء غلاة المتطرفين في بلده, او اراد من خلاله ان يودع مسيرته السياسية الكئيبة بمسعى من اجل السلام يتذكره الناس من خلاله لا من خلال الفساد والفضائح, ربما لهذه الاسباب لم يتضمن مشروع اولمرت كل التفاصيل. ولكنه يظل طرحاً تافهاً سيتلاشى دون أثر.

لم يتوان الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية عن رفض مشروع اولمرت في تصريحات صدرت عنه بتاريخ 12/8. ومع انه من البديهي ان المشروع سيُرفض الا ان تصريحات الناطق حملت تناقضات معروفة.

فهو قال: "ان الجانب الفلسطيني لن يقبل الا بدولة فلسطينية متصلة جغرافياً تكون عاصمتها القدس الشريف, وخالية من المستوطنات وعلى حدود الرابع من حزيران عام 1967". وحبذا لو وقف هنا.. ولكنه اضاف قائلاً: "ان ما تم التفاهم عليه في انابوليس ينص على تجميد الاستيطان اولاً, ودولة على حدود الاراضي التي احتلت في العام 1967 على ان يكون هناك تفاهم على تبادل للاراضي بالقيمة والمثل".

اذن فإن الناطق الفلسطيني يتحدث عن "تجميد الاستيطان" وليس ازالة المستوطنات حتى تكون الدولة الفلسطينية خالية من المستوطنات", كما قال في بداية تصريحه. وحتى لا يكون خلو الدولة الفلسطينية من المستوطنات نتيجة ضم المستوطنات لاسرائيل قبل قيام الدولة, فتكون الدولة بالفعل خالية ولكن ليس بسبب زوال المستوطنات بل بسبب اقتطاعها وضمها لاسرائيل.

اما الاخطر في حديث الناطق فهو تبادل الاراضي "بالقيمة والمثل" لان ذلك يؤكد ما ذهب اليه اولمرت عن تبادل الكتل الاستيطانية والقدس بأرض مؤجلة التسليم في صحراء النقب.

فبالرغم من حديث الناطق المبهم فإن الحقائق معروفة.. الارض التي تريدها اسرائيل اخذتها, وبنت عليها مستوطنات, وتعرض تعويضاً واهماً عنها.

فأين هي الارض التي تساوي في القيمة القدس وجوار رام الله والخليل وبيت لحم ونابلس وبقية اقدس واجمل مرتفعات واراضي الضفة الغربية.

اليس الحديث عن "تبادل اراضٍ بالقيمة والمثل" هو الغطاء الذي ستتم تحته صفقات التخلي عن الارض التي بنيت عليها المستوطنات غير الشرعية مقابل تعويض وهمي لن تكون له اية قيمة او معنى حقيقي.

لماذا لا يصار الى صياغة واضحة لموقف فلسطيني مدعوم بموقف عربي يستند للقانون الدولي ويُسقط كل المشاريع الفاشلة التي قادت لهذا التدهور الخطير.

التعليق