د.أحمد جميل عزم

التحول الليبرالي وفك وتركيب المجتمع

تم نشره في الجمعة 15 آب / أغسطس 2008. 03:00 صباحاً

يقع غالبية المنظرين والمحللين والباحثين الدارسين للمجتمع العربي في الدعوة لحل المشاكل العالقة على أسس تحفظ وتعمّق البنى الاجتماعية الراهنة الطائفية والقبليّة، ولا تدعو لتغييرها. فعلى سبيل المثال في بحث الشأن العراقي يتم الحديث عن إدماج السنّة في العملية السياسية وعن حل المشكلة الكرديّة – العربية، بتفاهم الطرفين، وبالمجمل يجري الحديث في العراق ولبنان وحتى في مصر والبحرين والكويت عن حقوق الطوائف وأبنائها، وفي مجتمعات أخرى يجري بحث العدالة في التوزيع بين أبناء العشائر والقبائل وأصحاب الأصول المختلفة، كما في دول الخليج العربية، أو يتم الحديث عن الأصول والمنابت وعن الحقوق والحقوق المنقوصة، كما يحدث أحيانا في الأردن.

في الماضي كان يجري البحث عن مخرج لوضع التباينات الداخلية في المجتمعات العربية في سياق الهويّات الأوسع، فكان الحديث عن الهوية القومية العربية، والهوية الإسلامية، والفكر اليساري الاشتراكي الأممي سبيلا لا لإذابة الفروق بين المواطنين في الدولة الواحدة وحسب، بل وحتى بين العرب أو المسلمين ككل، أو حتى بين دعاة الفكرة الاشتراكية بالمجمل. وبتراجع هذه الأيديولوجيات، بما في ذلك تبني الجزء الأكبر من الحركات الإسلامية لأجندات وطنية محليّة، تراجع هذا النهج في حفظ الوحدة الداخلية، على أساس السعي لوحدة خارجية جامعة.

ويستغرب كثير من المراقبين حال العرب حاليّا، فهم مقسمون بين هويتين، فإذا غادروا إلى خارج الوطن العربي، يتحدثون عن أنفسهم بصفتهم عربا أو مسلمين، وفي داخل دولهم يتحدثون عن أنفسهم بصفتهم من أصول أو منابت معينة، أي ينتمون لطائفة أو مدينة أو قبيلة، وفي الحالتين، برأي بعض المراقبين، فإنّ الغائب هو الحديث عن الهوية الوسط بين المستويين، أي الهويّة الوطنيّة الجامعة والخاصة بالدولة ذاتها، فالدول في غالبيتها لم تنجح في إيجاد هوية وطنيّة يتحمس لها المواطن داخليا وخارجيا، وبقيت برأي كثيرين كيانات مصطنعة.

وواقع الأمر أنّ القوى المسيطرة الداخلية، من أنظمة وقوى سياسية وطائفية تسعى في أحسن الأحوال لتوازنات ومصالحات بين مكونات وفسيفساء الانقسامات في الدول المختلفة، دون الدعوة لصهر هذه الهويّات في هويّة جديدة. وأحيانا عندما يتم الدعوة لهوية وطنية جامعة على أساس تخلي البعض من المواطنين عن هوياتهم لصالح هويّة مكون آخر من الشعب. والغائب بين جميع هذه الدعوات هو فكرة إعادة تكوين الوطن وهويته القومية أو الوطنيّة على أساس نوع جديد من الوحدات، وهذه الوحدات هي "الفرد"، بصفته مواطنا، مقابل وضد الفرد باعتباره ابن طائفة أو قبيلة أو من أصل أو منبت بعينه، والتعامل مع الأفراد بصفتهم الفردية ورفض التعامل مع الطوائف والقبائل والأصول، مع التأكيد في الوقت ذاته على تبني المحتوى الثقافي والدمج الواعي للهويات الأوسع العربية والإسلامية في الهوية الوطنية الجديدة.

ما يقال عن تحول لبرالي في دولنا العربية، تحول زائف لأنّه لا يقوم على إعادة النظر للأفراد باعتبارهم مواطنين أفرادا، دون النظر لانتماءاتهم الجهوية والجغرافية والإثنية. فإذا كانت الدولة ستستغني عن دورها الرعوي الأبوي في كونها من يقوم بتقديم الغذاء والتعليم والعلاج والأمن والبنى التحتية، فإنّ ذلك يجب أن يحدث ضمن فهم جديد لدور الدولة. والتحول الليبرالي يعني، خصوصا في المرحلة الأولى تغيرا في دور الدولة، أكثر مما يعني تقلّصا في هذا الدور. فدور الدولة، يبدأ بضمان عدم تبني نهج فاسد في الخصخصة، وبأن يتم العمل على أن تكون الخصخصة لمصلحة المواطن ورأس المال المحلي الوطني قبل أن تكون للشريك الأجنبي الاستراتيجي، والمقصود برأس المال الوطني، رأس مال المواطنين بمجملهم، وأكبر عدد منهم، وليس فئات محدودة، فالخصخصة يمكن أن تكون توزيع الثروة عبر الشركات المساهمة ذات القاعدة العريضة، وليس بحصر الثروة في يد عدد محدود من الأشخاص، المواطنين أو الأجانب الذين يمارسون الاحتكار، منفردين أو بالتنسيق مع عدد من المستثمرين يقتسمون سوقا بعينه.

والوظيفة الثانية الرئيسية للدولة، في مراحل بدايات التحول الليبرالي، هي مسألة تكافؤ الفرص بين الأفراد باعتبارهم أفرادا ومواطنين. فالتحول لدولة السوق ولدولة الحريات الشخصيّة، لا يعني نقل صلاحيات الدولة ومقدراتها لرجال الأعمال الجدد، من طبقة المسؤولين الحكوميين السابقين، الذين تحولوا للقطاع الخاص باعتباره المدخل للحفاظ على مكتسباتهم، وهؤلاء ممن يمكن أن تسميهم الآن، في سياقنا العربي، أو في دولة مثل الأردن، باسم (المحافظين الجدد) ممن ينقلون معهم في تحولهم إلى عالم "البزنس"، ممارسات رعوية، ويمارسون الممارسات التقليدية ذاتها من "واسطة"، و"محسوبية"، و"عصبيّة" على أساس المدينة والقرية والعشيرة وغير ذلك، وهم بذلك لا يختلفون كثيرا عن منافسيهم، ممن يسمون باسم (الليبراليين الجدد)، القادمين من عالم رجال الأعمال للسلطة، أو ممن يحملون معهم فكر رجال الأعمال، مع القليل جدا من المحتوى الاجتماعي والسياسي الليبرالي الحقيقي.

إعادة تركيب المجتمع على أساس المواطنة، وحصر الحراك الاجتماعي والاقتصادي بمدى الجدارة الفردية، لا على أساس مكانة تتحقق بفضل الولادة من خلفية معنية، دون أن يعني هذا رفض دور الأسرة والعائلة في التكافل والتراحم والتربية، يضاف له إنهاء فكر "محاصصة" الموارد والمكاسب بين جماعات فرعيّة متكتلة خلف هويّات تفتت المجتمع، واستبدال كل ذلك بمفهوم تساوي الفرص هو الكفيل بتحقيق الهوية الوطنية التي يرتبط بها الفرد بوطنه ودولته، ويعيش مكتسبات ومكانة المواطن من دون الوسيط والمحدد الخاص بالقبيلة والطائفة والأصول. 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تقية النخب العربية الرسمية (عثمان عثامنه)

    الجمعة 15 آب / أغسطس 2008.
    برافو. ةلكن طالما التخلف مازال يكافء بإمتيازات ويوظف لمشروع فرق تسد فلن يكون هنالك تطور بالعالم العربي لأن الأنظمة الإستبدادية بحاجة لتقتيت الشعوب للسيطرة عليها بغض الكلام الرسمي الفارغ عن الوحدة العربي والتنمية الوطنية والذي أصبح جزئ من ثقافة "التقية" السياسية التي تمارسها النخب العربية الرسمية مثلها مثل شعارات المقاومة التي تتاجر بها النخب من باب شعرة معاوية التي تكفل لها تعاطف شعبي وتواصل طيب مع الجماهير العربية المسكينة الساذجة مع العلم ان الجيل الجديد لايتعاطى مع الشعارات كما كان آباؤه وأجداده فسيترى كيف ستتواصل النخب الرسمية العربية مع الأجيال القادمة المحصنة ضد الكلام الفارغ؟