د.أحمد جميل عزم

ربيع القبيلة

تم نشره في الجمعة 8 آب / أغسطس 2008. 03:00 صباحاً

من دارفور في السودان، إلى الحوثيين في اليمن، إلى الصحوة في العراق، هناك عنوان واحد لقضية واحدة، هي عودة القبيلة ووقوفها في وجه الدولة، أو العمل كبديل لها، بغض النظر عن التفسيرات والمضامين الطائفية والاستعمارية لتلك الخلافات. وفي دول أخرى فإنّ القبيلة تعود للواجهة باعتبارها كيانات سياسية، واقتصادية، واجتماعية، منافسة للدولة، أو على الأقل للأحزاب ولبنى المجتمع المدني الحديث، باعتبارها وأساس لتوزيع المكاسب المالية والسياسية والإدارية.

ولوضع الحدث الراهن في سياقه التاريخي لا بد من تذكر أنّ العائلة هي أساس تشكل الدول، ففي المجتمعات البدائية فإنّ الفرق بين العائلة والدولة أو حتى بين العائلة والمجتمع محدودة، فالعائلة هي أول أشكال التجمع السياسي، ورب العائلة هو القائد السياسي، وفي بعض الثقافات القديمة هو الإله. وكلما تطورت الدول تراجع الدور السياسي والاقتصادي للعائلة لصالح الدولة والمجتمع ومؤسساتهما، وتنحصر أدوار الأسرة في قضايا بيولوجية وإنسانية عاطفية وتربوية.

وقد تعاظمت أدوار القبيلة والعائلة في العصر العثماني في البلدان العربية، لأنّ الدولة أهملت القيام بدورها، فتولت القيادات المحلية في مناطق مختلفة مهام الدولة، وكانت علاقة اسطنبول بهذه القيادات قائمة على قيامها بجمع الضرائب وتوريد الجنود للحرب في إطار التجنيد الإلزامي، وكانت المعارك العسكرية بين القبائل البدوية والمناطق الريفية وبين الولاة وعائلاتهم وأتباعهم تعبيرا عن غياب الدولة في كثير من المناطق. ورغم النظرة السائدة أن الدول العربية التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى، هي نتاج مؤامرة استعمارية لتقسيم العرب فإنّ الحقيقة أنّها في كثير من الأحيان أنهت الاقتتال الداخلي، ووحدت مناطق كانت مقسمة قبليا وعائليا. وقامت جيوش ومؤسسات هذه الدول بتوفير الأمن، وفرص العمل، والتعليم، و...إلخ، وتراجع بالنتيجة دور القبائل في رعاية أبنائهم وتوفير الأمن والغذاء وفرص العمل لهم، وبدأ نمط من الحداثة القائم على علاقة الفرد بالمجتمع الأكبر وبالدولة الموحدة، ولم يعد الاقتتال القبلي مبررا أو مقبولا للحصول على الموارد أو حفظ الأمن، كما لم يعد النسب القبلي والعائلي بذات الدرجة من الأهمية في تحديد المواقع الاجتماعية والسياسية، (وإن بقي هذا النسب أمرا مؤثرا بدرجات متفاوتة).

والآن تزدهر القبيلة والعائلة والهويات الفرعية العائلية والطائفية والجهوية المختلفة، ويتراجع التحول نحو الحداثة والهوية الوطنية الأشمل، والسبب هو فشل الدول في أداء وظائفها الأساسية في كثير من البلدان، فتم النكوص تلقائيا للأشكال البدائية في التنظيم السياسي والاجتماعي. فعدم توفر الأمن بالعراق، أدى لبعث الدور الأمني للقبيلة، وعدم حصر حمل السلاح بالدولة في اليمن، أدى لتأكيد دور القبيلة، وفشل التنمية والصراع على الموارد والأراضي في دارفور وسط غياب تدخل حكومي فاعل بعث الصراع القبلي هناك.

وفي دول أخرى عادت عصبية الدم تلعب دورا سياسيا اجتماعيا اقتصاديا متزايدا. فالدول الجمهورية التي جاءت بذرائع التقدميّة والاشتراكية والقومية العربية التي ترفض الانقسامات التي أوجدها الاستعمار بين العرب، تحولت إلى حكم عائلات، يعتمدون على رابطة الدم وعلى العائلة في كسب الولاء في دوائر السلطة والحكم، وسط خوفهم من أن الديمقراطية قد تنهي حكمهم، أو أن رفاق الأمس في الفكر والأيديولوجيا سينقلبون عليهم. كما أنّ ضباط ومسؤولي الدولة وحفاظا على مكاسبهم وبهدف توريثها لأبنائهم، وباسم الخصخصة، يستولون على مؤسسات الدولة التي يسيطرون عليها ويحولونها لملكية خاصة يمكن توريثها.

وأدى تراجع قدرة الدول على توفير المتطلبات الأساسية للشعوب، من غذاء وعلاج وتعليم، وسط ارتفاع أسعار النفط والغذاء، وتراجع دور الدول كأكبر رب عمل، مصحوبا مع النمط المشوه للخصخصة، القائم على انتفاع نخب سياسية وبيروقراطية وأمنية سابقة أو حالية، ومتحالفة مع رجال أعمال ونخب اقتصادية تتحول بدورها لنخب سياسية، أدى إلى تعزيز فكرة الشخصانية والعائلية في الحياة السياسية والاقتصادية، خصوصا إذا ما وجدت أنواع من الانتخابات البرلمانية تسمح ببروز ظاهرة رجل الأعمال السياسي، وتسمح بالتحالفات على أساس القبيلة والعشيرة والقرية لكسب الأصوات.

وتوجد ظاهرة ما يسمى بالمال السياسي، والنائب البرلماني الذي يصبح بشكل من الأشكال ممثل القبيلة والعائلة والقرية أكثر منه ممثل وطن وبرنامج، والمال السياسي وما يتبعه من مناصب يورث. ويتبع كل ذلك أن العلاقات الشخصية والعائلية ترسي أسس فرص الحصول على عمل، أو الارتقاء في السلم الوظيفي، وأسس الحصول على فرص التعليم، ومفتاح الحصول على حاجات مثل التعليم والعلاج.

فالخصخصة إذا لم تكن ضمن الأسس السليمة، قد تعني أحيانا، ترك وظيفة الدولة لأشخاص وعائلاتهم، وتعني أحيانا،  ترك وظائف الدولة لجهات غير حكومية مثل الطوائف والجماعات الدينية، ولرجال أعمال، وسط غياب أسس واضحة لتكافؤ الفرص وللحماية القانونية للأفراد وفرصهم في العمل والتعليم والعلاج، ولتساويهم أمام القانون، وبالتالي يصبح البحث هو عن بديل للدولة التي لا توفر ذلك، ولا تراقب وتضبط القطاع الخاص ليوفر ذلك، يحدث الارتداد للبدائل التقليدية البدائية المعروفة عبر التاريخ، التي يرجع لها الفرد تلقائيا عندما تغيب الدولة ويفقد الشعور بالأمن بمفهومه الواسع، أي إلى العائلة والقبيلة والطائفة.

وإن لم يكن الفرد بحكم مولده في وضع يوفر له مثل هذا الملجأ، فإنه يحاول الالتحاق بعائلة أو زعيم قبلي أو عائلي أو رأسمالي أو جماعة ما. وهذا ما يحدث في دولنا العربية، فالدولة القطرية تتراجع، وأفكار الحداثة والمجتمع الثوري وأفكار الوحدة العربية تراجعت كلها لذا تتم العودة للعائلة والقبيلة والطائفة.

التعليق