مسح إحصائي "مضلل" يؤكد تراجع نسبة الفقر وأن "الدنيا بخير"

تم نشره في الخميس 19 حزيران / يونيو 2008. 02:00 صباحاً

تخالف نتائج تحديث مؤشرات الفقر لعام 2006 التي أعلنتها دائرة الإحصاءات العامة أمس توقعات عامة بتزايد هذه المشكلة واتساع حلقتها، بعد أن أكدت الأرقام تراجع معدل الفقر ليبلغ 13% نزولا من 14.1%.

وما يثير في هذا الموضوع أن الجهات الرسمية لا تملك تبريرا علميا يشرح هذه النتائج التي لم تولدها برامج طبقت أدت نتائجها إلى تقليص الفقر، لا سيما وأن العديد من الأفكار والخطط المتصلة بمعالجة هذا المحور لم تر النور.

مقترحات كثيرة لم تجد طريقها للتنفيذ ومنها وضع سياسة اجتماعية وطنية شاملة للربط بين التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وتطوير مهارات العاملين في مجال مكافحة الفقر، وتطوير فهم واضح لأسباب الفقر ومكوناته، وإعادة هيكلة صندوق المعونة الوطنية.

ومن الأفكار التي حفظت في الأدراج أيضا، تقديم معونة وطنية للفقراء العاطلين عن العمل إلى حين التحاقهم بسوق العمل، وربط الاستفادة من المعونات النقدية بالتعليم الأساسي والرعاية الصحية، وكذلك توسيع برامج التجمعات الريفية والخدمات في المناطق الريفية.

وتعد هذه النتائج مفاجئة وغير منطقية لكل من يقرأ أو يسمع عنها، وبخاصة في هذه المرحلة الصعبة التي يعاني فيها غالبية الأردنيين من تراجع المستوى المعيشي لهم ولعائلاتهم وضعف انعكاس مكتسبات التنمية باعتراف مسؤولين في مناسبات مختلفة.

صحيح أن البحث الذي قامت به الدائرة كان عام 2006، أي قبل فورة أسعار النفط، وبدء الدول بإنتاج الوقود الحيوي من الذرة، وقبل ارتفاع المواد الأساسية مثل الأرز، لكن ارقام المسح تظهر ما يتناقض مع النتيجة العامة حول معدل الفقر، اذ ان الإنفاق زاد بنسبة 9.5%، فيما نما الدخل ثلث هذه النسبة تقريبا، إذ بلغت نسبة الزيادة فيه قبل اخذ حوالات الأردنيين من الخارج 1.5%.

بعض النتائج التي وردت في المسح تستحق التوقف عندها، فمثلا ثمة ملمح يشير إلى إن النمط الاستهلاكي للأسرة تغير لمصلحة السلع غير الاستهلاكية، إذ انخفض من 40% وصولا إلى 37%، فهل معنى ذلك أن الأسر خفضت كمية طعامها في سبيل توسيع إنفاقها بنسبة 4% على السلع غير الغذائية؟

من الممكن القول إن نسبة الإنفاق على الغذاء تراجعت، ولا يعني ذلك تقليل الكميات كون هذه النتائج تتناقض وترتيب سلم الحاجات الأساسية كما وضعها ماسلو الذي يرى أن حاجات الفرد مرتبة ترتيبا تصاعديا على شكل سلم بحسب أولويتها للفرد، ويأتي الغذاء في مقدمتها.

ورغم أن المسح خلص إلى نتائج غير متوقعة، إلا انه اثبت أمرا آخر يحسه المواطن ويستشعره وهو زيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء، إذ يتضح أن حصة أفقر عشرة بالمائة من الأردنيين من الدخل بقيت ثابتة خلال الفترة 2002- 2006 عند معدل 2.6%.

أما الأغنياء فارتفعت حصتهم من الدخل والإنفاق عن العام 2002 والتي بلغت على التوالي 30.2 و 26.8%، ما يعني أن أوضاعهم تحسنت عما كانت عليه في بداية هذه الفترة بخلاف الفقراء الذين ساءت ظروفهم.

ما ينبئ بغير هذه النتائج أن الحكومات المتعاقبة أطلقت العديد من الأفكار والتصريحات حول خططها لمعالجة الفقر وتقليص مساحة امتداده. بيد أن الإجراءات الحكومية على ارض الواقع لم تتضمن أي خطط تنفيذية، فلغاية الآن لم توضع قاعدة بيانات حقيقية توفر معلومات دقيقة حول الفقراء وتساعد في وضع حلول واقعية لهذه المشكلة.

كما أن هيئة التكافل الاجتماعي التي تأسست منذ أكثر من عامين لتكون مظلة لجميع المؤسسات المعنية بهذه الظاهرة لتنسيق جهود مكافحة الفقر ما تزال معطلة وغير فاعلة.

تراجع معدلات الفقر قد يبدو للوهلة الأولى، وفق النتائج الرسمية، عامل طمأنة للحكومات التي كانت هذه المشكلة تلاحقها، لكن المفاجأة ستكون اكبر لو أجرت الحكومة مسحا الآن. ولو فعلت لوجدت أن عدد الفقراء ارتفع بشكل كبير بسبب متوالية ارتفاع الأسعار، إذ يتوقع خبراء أن يبلغ معدل التضخم نهاية العام الحالي 14% في حال بقيت الظروف العالمية والإقليمية على حالها حتى نهاية العام.

المشكلة ليست في انخفاض معدل الفقر أو ارتفاعه، بل كيف سيتقبل الناس النبأ الذي يأتيهم في أصعب الظروف ليبشرهم بأن نسبة الفقر تراجعت، فيما لسان حالهم يجهر بأنهم فقراء أو يتشبثون، بكل عزمهم، للبقاء فوق خط الفقر.

التعليق