وزارة "الثقافة الغائبة"

تم نشره في الثلاثاء 1 تموز / يوليو 2008. 02:00 صباحاً

تثبت الشعوب العربية، في كل مناسبة كبيرة وصغيرة، أنها غير مؤهلة بعد لممارسة الحرية، وما يسمى "الديمقراطية"، ما دامت لا تتوافر على ثقافة مدنية، تسعفها في احترام التعددية والاختلاف، والعمل من خلال القانون والمؤسسية.

لاحظنا هذا في العراق، منذ أن لم ينجح شعبها في استعمال الحياة السياسية الجديدة لتنظيم نفسه، وإحراج المحتل، إذ حوّلها فضاءً للطائفية استعاد فيها أكثر آليات التعبير عن الذات بدائية وتخلفاً، وكان هذا نتيجة طبيعية لعقود الاستبداد والحكم القبلي، التي حالت دون تطور ثقافة المجتمع إلى مدنيّة تؤطرها دولة متحضرة تقوم على القانون والمؤسسات.

نلاحظ هذا أيضاً هذه الأيام –للأسف الشديد- في مجتمعنا، الذي ما إن لاحت له بوادر التعبير الحر عن الرأي في مواقع الإنترنت الإخبارية، حتى أفصح عن ثقافته الرجعية، القائمة على العصبيات، وهي ثقافة لا تتناسب أبداً مع ما بلغه الأردن من تحضّر وما حققه من إنجازات في مجالات كثيرة، رغم محدودية إمكاناته.

لماذا؟ هل نسينا، أو تناسينا، أن الجانب الثقافي هو الأساس الذي تقوم عليه أية نهضة، فأهملنا ثقافة المجتمع في خططنا التطويرية؟ نعم. لقد كان هذا هو واقع الحال، فلم تتطور ثقافة المجتمع الأردني باتجاه مفاهيم المدنية، التي تضمن وجود مجتمع ديمقراطي، يحترم حريات الآخرين، ليكون من ثم مؤهلاً لممارسة الديمقراطية السياسية، والتمتع بحرياته السياسية.

صحيح أن الأمر ليس مفاجئاً، وأننا نلمس هذه الممارسات التي تنم عن شيوع ثقافة العصبيات، في المناسبات الانتخابية التي نعيشها كل أربع سنوات تقريباً، لكننا كنا نعزي أنفسنا بأن الناس تبحث عن مصالحها في ظروف معيشتها الصعبة، وأن ثقافة العصبيات لن يكون لها اليد الطولى حين يجد الجد. لكن ماذا عن الركون للعصبيات في التعبير عن الرأي، من دون حاجة لأن يعلن صاحب الرأي عن ذاته، ما ينفي إمكانية أن يكون متزلفاً أو وصولياً؟!

إذاً، ثمة فشل ثقافي كبير في مسار تطورنا الذي نفاخر به في العالم العربي. الأردن متقدم في التعليم والإعلام والصحة وغيرها، لكننا في الثقافة الاجتماعية لسنا كذلك، فنحن كمعظم الشعوب العربية، لا تعرف أكثريتنا الثقافة المدنية، وليست مؤهلة لممارسة الحرية.

المسؤول الأول عن هذا الحال، هو الحكومات المتعاقبة، وعلى رأسها وزراء الثقافة. معظم وزراء الثقافة الذين مرّوا منذ عقود، لم يكونوا يمتلكون برنامجاً أو خطة عمل ثقافية، وإذا فعلوا، فإنهم كانوا ينشغلون بقشور الثقافة ومظاهرها، لا بجوهرها، الذي هو ثقافة المجتمع، ومرجعياته الثقافية التي تحكم سلوكه وتؤثر في تفكيره. انشغل وزراء الثقافة على الدوام بدعم الإنتاج الثقافي عوضاً عن تنمية الثقافة. لا نناقش هنا ما إذا كان ذلك الدعم نافعاً أم لا، وما إذا وجّه وجهته الصحيحة أم استولى عليه المتزلفون والأدعياء، بل نناقش "النظرية" التي قام عليها العمل الثقافي، وما يزال، منذ عقود طويلة.

إن فكرة "دعم المثقفين" عوضاً عن تنمية الثقافة، هي التي أوصلت مجتمعنا إلى ما انتهى إليه من ردة ثقافية مؤسفة. وزير الثقافة الناجح، الذي يتولى تمدين ثقافة المجتمع وتحضيرها، ليكون مؤهلاً لتحقيق النهوض الشامل، لا بد أن يكون من المفكرين أصحاب النظريات، الذين يدركون الكليات، فلا يتوهون في الجزئيات. وزارة الثقافة تكاد تصير أهم الوزارات على الإطلاق، لو لعبت ذلك الدور التنموي الذي ينقل المجتمع من تخلفه إلى تمدّنه. لكننا لم نعرفها كذلك يوماً، فهي وزارة تكميلية، ذات دور فلكلوري، ولا تنخرط في التنمية.

دعم الإنتاج الثقافي الفردي، ليس هو عين العمل الثقافي النافع في الدول والمجتمعات النامية. فهل يمكن لوزارة الثقافة أن تتذكر مجال عملها الحقيقي، في وقت نلمس فيه نتائج تخليها عنه، أم أن علينا المطالبة باستحداث وزارة جديدة لهذه الثقافة الغائبة؟!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وزارة الثقافة مجمدة فعليا (عمر شاهين)

    الثلاثاء 1 تموز / يوليو 2008.
    الأستاذ سامر خير لسنوات طويلة حافظت وزارة الثقافة على تحجيم الفكر وحصرت جهدها بإنتاج الكتب ذات المحتوى المكرر الذي لا يبتعد غما عن إذا حسبناه إبداع شعري نثري أو قصصي و كتب النقد الادبي وفشلت بأدب الطفل وخاضت مشاريع مكلفة وفاشلة من جميع النواحي مبتعدة عن دراسة واقعنا الحضاري وما نحتاجه لإعادة النهضة التي تواكب حداثة الأخر وتثبيت هويتنا الثقافية .
    مئات المراكز المجمدة ولا تحمل سوى الاسم والأشخاص والندوات التي تنوعت بها مع الرابطة حملت مضمونا واجداً . فمعظم الذين يعملون بها إما إداريين بعيدون عن العمل الثقافي والكارثة أنهم يشغلون ببعض الأحيان مراكز إشرافية فيما يقابلهم بعض المثقفين الذين يعملون لمصالحهم الخاصة .
    لم تعي وزارة الثقافة أن مشكلة التأخر الحضاري ليست في حجم الغزل والجمل التي تحتاج لعرافين كي يفككوا شعر النثر والتفعيلة الذي تنفق مئات الآلاف عليه بل في نقل الثقافة إلى المحافظات وإلزام المراكز بعقد ندوات فكرية وثقافية تناسب مستوى المناطق .
    أوافقك تماما أن وزارة الثقافة عامل مهم في هدر الميزانية المخصصة لهذا وكل المشاريع التي أنجزتها كانت مشاريع ركيكة إن كانت عبر إصدار كتب هزلية أو التفريع لمشاريع أشبعت الوزارة من إنتاج أمثالها .
    يجب أن توضع لجنة علمية لتحديد أجندة لإنقاذ الوزارة من الهدر المادي وعجزها عن التأثير الثقافي فهي أضعف وزارة مقارنة مع باقي الوزارات . التي ترتكبه والكارثة أن مجلس النواب خصص نسبة من مرابح اعلانات الصحف لدعم الثقافة دون ان يوجه سؤالا واحدا لوزيرة الثقافة عن تصورها للثقافة في الاردن وما هي مشاريعها أو هل ستعيد المشاريع الفاشلة التي واكبت الوزارة والمجلات التي لا تسمن أو تغني من جوع والتي لا يقرأها سوى المحرر والمدقق اللغوي ولا تصدر سوى للمكافئات المادية لبعض الكتاب المحسوبين على الوزارة.