سياقات المصالحة الفلسطينية

تم نشره في الأربعاء 11 حزيران / يونيو 2008. 03:00 صباحاً

مع تصاعد حجم وحدة الأصوات التي بدأت تعلن نعي حل الدولتين، جاءت دعوة الرئيس عباس للحوار الوطني الفلسطيني. فهذه الخطوة لا يريد أحد -سوى اليمين الإسرائيلي- أن يراها تراجعاً، كما أنها بالتأكيد محكومة بشروط السياقات التي ستحتضنها والتي ستقرر ما إذا كانت خطوة متأخرة للأمام، أو مجرد قفزة في الهواء لتمضية الوقت، ريثما يقضي الله أمره.

هناك سياقات إقليمية ودولية تحكم هذا الحوار، وغيره من صيغ العمل الفلسطيني. ويمكن القول بدون مغامرة بأن كل الصيغ الإنشائية الممكنة عن العلاقات الأخوية، ووحدة الدم الفلسطيني، قد تحول الحوار إلى صيغة صلحة عشائرية، ولكنها ستكون مثابة إعلان وفاة مبكر لنتائجه. فالملاحظ منذ الآن أن العديد من أطراف الحوار الفلسطيني، تستعد لبيان الإعلان عن فشل هذا الحوار، وتحميل الأطراف الإقليمية مسؤولية هذا الفشل. وكأن فشل جولة صنعاء مسؤولية الجميع عدا الفلسطينيين.

 

المسألة الحاسمة التي ستقرر نجاح الحوار كمحطة تاريخية من محطات المشروع التحرري الفلسطيني هو توفر مشروع وطني فلسطيني حقيقي ينتقل بالنضال الفلسطيني نحو مرحلة جديدة. فإذا كان الحوار على أجندة مشتقة من خيبات الماضي، فسيكون مصيره الفشل. إذا كان الحوار الفلسطيني سقفه هو البحث عن اتفاق فلسطيني للإبقاء على الوضع الراهن، ويسعى فقط لترتيب حالة الفوضى الراهنة فسوف يفشل هذا الحوار كما فشل غيره.

إذا كان سقف الحوار الوطني الفلسطيني، البحث في تكتيك العملية السلمية، ومتطلبات إسرائيل لتفكيك وإعادة تشكيل الهوية الوطنية الفلسطينية، فسوف يكون مصيره الفشل. وهذا الفشل لا يوجد من يتحمل مسئوليته إلا قادة العمل الوطني الفلسطيني.

أما إذا كان الحوار، شبيها بما جرى في أوائل ستينيات القرن الماضي، حين بدأ الاستعداد لإطلاق منظمة التحرير، يبحث عن صيغ عمل جديدة، تنسجم مع التحديات والخيبات والهزائم، عندها سينجح الحوار، حتى لو تآمرت عليه كل الأنظمة الشقيقة والصديقة.  

فرصة حماس التاريخية، وغيرها من فصائل النضال والجهاد الفلسطيني، هي التقاط هذه اللحظة وطرح مشروع فلسطيني حقيقي سقفه: إعادة تشكيل إسرائيل لتصبح ملائمة لمشروع السلام. مع التمسك الحاسم بحقين أساسيين للشعب الفلسطيني هما العودة والتعويض. فلا يمكن أن يتم تفكيك المشروع الوطني الفلسطيني ويعاد تركيبه بما يناسب إسرائيل، وأن تخضع الدول التي خطت باتجاه السلام مع إسرائيل لنفس مصير التفكيك وإعادة التركيب بسياق إسرائيلي، وتبقى إسرائيل كما هي جوهر خالد. دولة عنصرية استعمارية، تعبر عن أسطورة أبدية على المنطقة أن تخضع وتتغير لتنسجم معها.

وعنوان مشروع الحوار الوطني الفلسطيني الذي يحتاجه الفلسطينيون والعرب وكل حركات التحرر في العالم هو توحيد كل فلسطينيي العالم لمواجهة المشروع الصهيوني. فلا يمكن أن يتم التخلي عن الفلسطينيين تحت الاحتلال. ويتم منحهم جائزة (فريسة سهلة) لإسرائيل لتعيد تشكيلهم كما تشاء. فنحن الذين غنينا لصمود هؤلاء، علينا أن نلتزم بتقديم الدعم الحقيقي لنضالهم. وهذا الدعم ليس على شكل تبرعات مالية، وتبرعات بالدم بحضور عدسات التلفزيون، بل عن طريق طرح مشروع وطني حقيقي يعيد تعريف الحقوق والواجبات. ويقر بشكل حاسم، بأن المشروع الوطني الفلسطيني هو تعبير عن كل فلسطينيي العالم. والقدس هي عاصمة كل مسلمي العالم.

لا معنى للحديث عن حوار وطني فلسطيني سقفه ترويض ما تبقى من الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال ليدخل بيت الطاعة الإسرائيلي. فالمطلوب هو تعبئة كل فلسطينيي العالم للعودة من جديد إلى السياق النضالي والجهادي للدفاع عن الحقوق التاريخية الثابتة للشعب الفلسطيني.

أجندة الحوار الوطني الفلسطيني التي تستطيع أن تتجاوز كل ضعف وهزال وسخافات الإقليم، وتعيد للقضية الفلسطينية حيويتها كمركز وبؤرة العمل النضالي التحرري في المنطقة العربية يجب أن تحتوي على نقاط عديدة أولها تقييم مسيرة السلام، بعد قرابة العقدين على بدئها دون أن تتحقق أي مكتسبات للشعب الفلسطيني. فكل ما جرى خلال العشرين عاماً الماضية، هو تفكيك لآليات وهيئات المشروع الوطني التحرري الفلسطيني، ومحاولة إعادة تركيب المشروع الوطني الفلسطيني بصيغ بائسة، وهيئات بلا شرعية، كانت نتيجتها، استفراد إسرائيل بجزء من الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، وبدء استعدادها لشطب حقوق كل الشعب الفلسطيني. وسعيها لتعيد إنتاج شرعيات فلسطينية جديدة لا علاقة لها بتاريخ الشعب الفلسطيني. 

الحوار الوطني الفلسطيني مطالب بإعادة تقييم حل الدولتين كمطلب وطني فلسطيني. فهذا الحل ليس فقط مطلبا فلسطينيا، ولكنه أيضاً حل لمأزق إسرائيل. وليس الفلسطينيون وحدهم من يدفع ثمن هذا الحل، بل كل أطرافه.

الحوار الوطني الفلسطيني مطالب بإعادة تقييم الأدوات والأساليب النضالية، بشكل عميق وحقيقي، بعيداً عن طنين الاتهامات المتبادلة التي ظهرت خلال المرحلة الماضية. فمثل هذا الحوار، سوف يحول نتائج اوسلو - على هزالها- إلى مكتسبات وطنية. وسوف يعيد فتح آفاق النضال الفلسطيني، ويحرر روح الشعب الفلسطيني من حس الهزيمة الراهن. 

عقد الحوار الوطني الفلسطيني، بناءً على دعوة الرئيس عباس، ضرورة وطنية فلسطينية، وقومية تحررية عربية. ولكن البدء بهذا الحوار بمنطق البحث عن صفقة، أو صيغة صلح عشائري (بين عشائر النضال والجهاد والمقاومة في الشقتين والمهجر) في سياق التكيف مع مشروع الهيمنة الإسرائيلي، هي تصفية حقيقية للمشروع الوطني الفلسطيني. وعلى الجميع أن يعرف، بأن القضية الفلسطينية، اكبر من أن تترك لروح التقاسم الفصائلي، والبحث عن الصفقات.

وللوضوح، فإن القضية الفلسطينية، أهم وأعظم من أن تترك لأطراف الحوار الوطني الفلسطيني. وليس هناك طرف إقليمي يملك ترف موقف المتفرج. ولكن ستبقى الفرصة التاريخية متاحة لقادة العمل الوطني الفلسطيني، لفرض المشروع الوطني التحرري من جديد على أجندات كل الأطراف الإقليمية.

 إذا تمكن القادة الفلسطينيون من طرح أجندة حقيقية لوفاق وطني جدي، فسوف يعود المشروع الفلسطيني من جديد في مركز التطورات الإقليمية. أما إذا قصرت قاماتهم عن أقدار الشعب الفلسطيني، وعن سمو قضيته، فنحن أمام مرحلة عنوانها تصفية جيل من قادة النضال الفلسطيني، وحملة لتنظيف الركام الناتج عن الهزيمة الفلسطينية. وسوف ننتظر معارك جديدة، وقادة جدد يعيدون إنتاج القضية الفلسطينية، ويرسمون خطوط المواجهة من جديد. ربما بعد خمسة أو عشر سنوات، سوف تساهم كل المنطقة العربية بجنازة موحدة لكل قوائم الأبوات، الذين احترفوا التطنيش وضيق الأفق وإنتاج الهزائم.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال في الصميم (عروبي)

    الأربعاء 11 حزيران / يونيو 2008.
    منذ زمن لم نقرا تحليلا بهذا الصدق والوضوح لوضع الحل الحقيقي والمبدئي للقضية بعيدا عن المزودات والبحث عن المكاسب الشخصي . اشكرك استاذي الفاضل وارجو ان يبقى قلمك دائما نظيفا وطنيا صادقا