الحصاد الدانماركي المر

تم نشره في السبت 7 حزيران / يونيو 2008. 02:00 صباحاً

الهجوم المؤسف والمرفوض الذي تعرضت له السفارة الدانماركية في إسلام أباد في الثاني من هذا الشهر، ثمرة مرة للبذرة الخبيثة التي ألقيت قبل ما يزيد على عامين بقليل، حين نشرت صحيفة دانماركية رسوماً كاريكاتورية للنبي، أثارت غضب المسلمين في كل مكان من العالم، بفعل الإساءة البالغة إلى شخص الرسول (ص) وإلى المسلمين جميعاً.

في بعض القضايا تضيع الحقيقة وسط التفاصيل، غير أن قضية الرسوم الدانماركية من القصص التي يسهل تتبع جذورها، إذ لا تزال أحداثها طازجة. ففي أيلول (سبتمبر) من عام 2005، نشرت صحيفة دانماركية رسوماً مسيئة إلى الرسول، تظهره إرهابياً وشهوانياً. وفي غضون أشهر كانت عوامل عديدة قد ساعدت على تأجيج الغضب الإسلامي، لتندلع مظاهرات ومصادمات دامية سقط فيها عشرات القتلى من المتظاهرين المسلمين.

قبل هذه الحادثة لم تكن الدانمارك معروفة لدى عموم المسلمين، وكان أقصى ما يُعرف عنها أنها واحدة من الدول الإسكندنافية الغارقة في ثرائها وهدوئها وانعزالها عن صخب التدخل الأوروبي في الشرق الأوسط، وتاريخها يخلو من الماضي الاستعماري الذي يساعد على تكوين موقف منها، حباً أو كراهية أو إعجاباً. باختصار، كان الشعور تجاهها أقرب إلى الحياد منه إلى أي شيء آخر.

وربما يمكن القول بأنه حتى مشاركة الدانمارك بقوات عسكرية في العراق وأفغانستان لم يكن موضع اهتمام كثير من العرب والمسلمين، فحجم القوات الدانماركية رمزي على كل حال، وقليلون فقط من بين العرب والمسلمين، أغلبهم من المختصين بالشأن السياسي، هم الذين كانوا يعرفون أمر هذه المشاركة.

كانت حالة الحياد تجاه الدانمارك أقرب إلى التقييم الإيجابي، فليس من مرارات أو أحقاد أو تدخلات تحملها الذاكرة العربية للدانمارك بأبقارها المدللة ومنتجات ألبانها الفاخرة وطقسها البارد وحالات الانتحار بفعل الرفاهية والملل. هذه الحالة تبدلت كلية، وأصبح اسم الدانمارك مقرونا بالعداء الفاحش والأعمى لمشاعر المسلمين، والاستهانة بهم وبمقدساتهم.

مضت حادثة نشر الرسوم عام 2005 إلى حالها، تاركة وراءها نحو خمسين قتيلاً مسلماً، وكثيراً من الكراهية وسوء الظن والتربص. وأصبحت الدانمارك هدفاً على قائمة المنظمات الإرهابية والمتطرفة التي تتخذ من الإسلام شعاراً لها، وأصبحت الدولة الهادئة تشهد كل بضعة أشهر استنفاراً أمنياً في الداخل، وإجراءات تحوطية في سفاراتها حول العالم، وإعلانات عن اكتشاف شبكات ومخططات إرهابية تستهدف أشخاصاً أو مصالح دانماركية. وبالطبع كان الفنان صاحب الرسم الكاريكاتوري المسيء على رأس قائمة المستهدفين.

من المسؤول عن الدماء التي سالت؟ ومن الذي يتحمل المسؤولية الإنسانية والأخلاقية عن انفجار الكراهية والأحقاد بين مليارات من البشر في العالم تأثروا بهذه القضية؟ ومن الذي يتحمل مسؤولية تحطيم أجواء السلم ومحاولات التقارب في الدانمارك نفسها، وهي التي تبلغ نسبة المسلمين بين سكانها ما يقارب 4 بالمائة؟ ومن المسؤول عما سيحدث خلال سنوات وسنوات مقبلة، لا يُتوقع أن تشهد إلا مزيداً من الثمار المريرة؟ لا أعتقد أن الإجابة عن السؤال صعبة.

في لقاء له مع صحيفة اسكتلندية في بداية عام 2006، قال "كورت وسترغارد" صاحب الرسوم المسيئة إنه "لا يشعر بالندم إطلاقاً" على ما تسببت فيه لوحاته من أحداث مؤسفة. ويبدو أن عشرات القتلى والمصابين لم تحرِّك في نفس "الفنان" المرهفة أي شعور بالمسؤولية، وربما يكون سعيداً بما حصل عليه من شهرة أقامها على الجثث وعلى الكراهية المستعرة. وما دام شخصه سليماً لم يمس، وما دام قد وجد من يزيِّن له عمله، فلم يشعر بالندم أو الأسف؟ هذا هو نمط أبطال القصة غير المشرفة.

لكن الرواية لم تتمَّ فصولاً. إذ أقدمت الصحف الدانماركية للمرة الثانية على نشر الرسوم في شباط  (فبراير) 2008، بعد القبض على ثلاثة أشخاص قالت السلطات الدانماركية إنهم كانوا يخططون لقتل "كورت وسترغارد". واعتبرت الصحف سلوكها المشين هذا انتصاراً لحرية التعبير، ووقوفاً في وجه الإرهاب. والغريب أن صحف الدانمارك لم تجد طريقاً لمناصرة حرية التعبير إلا بالإساءة البالغة إلى مليار و300 مليون مسلم، شعروا بأن مقدساتهم ومعتقداتهم تُنتهك ويُساء إليها عمداً وقصداً، وأن أيادي كريهة تنكأ جراح الأمس التي لم تندمل.

في المرة الأولى التي نُشرت فيها الرسوم كان هناك قدر من حسن النية لدى بعض العرب والمسلمين، جعلهم يفترضون أن الجهة التي نشرت الرسوم لم تكن تعي خطورة ما أقدمت عليه، وأن خلافاً في التصورات والخلفيات الفكرية، أو مجر سوء فهم ثقافي، يقف وراء نشر الرسوم. لكن النشر للمرة الثانية، وعلى الرغم من الآثار الكارثية لما حدث في المرة الأولى، يؤكد أن ثمة تعمداً وراءها، ورغبة في صب المزيد من الزيت على النار، لأسباب تبدو واضحة الآن، وهي تعميق الشرخ بين المسلمين والغرب.

لقد سقط ثمانية قتلى في العملية الانتحارية التي استهدفت السفارة الدانماركية بإسلام أباد، ليضافوا إلى قائمة الضحايا. ولا أحد يمكنه أن يدافع عن مثل هذه العمليات بأي حال، ولكن، أليس الذي نشر الرسوم للمرة الثانية، وهو يعلم ما قد تفضي إليه، شريكاً أصيلاً في الجريمة؟ أليست الأيدي التي نشرت الرسوم ملوثة بدماء هؤلاء القتلى ومن سبقهم؟

إن الأكثر استفزازاً في الأمر هو موقف الحكومة الدانماركية، ففي المرة الأولى- عام 2005- رفض رئيس الوزراء الدنماركي (وهو نفسه رئيس الوزراء الحالي) مقابلة السفراء العرب الذين كانوا يريدون مناقشة القضية معه قبل أن تصل إلى مرحلة الانفجار، ولكن الرجل لم يكترث كثيراً لذلك، في مزيج من الصلف والاستهانة بالآخرين.

وفي المرة الثانية–  شباط (فبراير) 2008- اتخذت الحكومة الدانماركية الموقف ذاته، ولم تكلف نفسها حتى بالتزام موقف محايد مماثل لما اتخذه الاتحاد الأوروبي من الفيلم الهولندي "فتنة"، الذي أساء بدوره للإسلام. فقد أصدر الاتحاد الأوروبي بياناً قال فيه إن الفيلم "معاد للإسلام"، و"مهين"، و"ينشر الكراهية". والحكومة الهولندية ذاتها استنكرت عرض الفيلم واعتبرته مسيئاً.

كان أول ما اهتمت به الحكومة الدانماركية في حادث إسلام أباد هو الإعلان عن أنه ليس من بين القتلى أي دانماركي، وهو الأمر الذي لم تثبت صحته. ومن الواضح أن الحكومة لم تتحرك لمقتل العشرات في المرة الماضية، ولم يهتز لها جفن للكراهية التي اجتاحت العالم، لأنه لم يكن من بين القتلى دانماركيون، وهو موقف يفتقر إلى أي شعور كريم، ويكشف عن نوازع عنصرية بشعة لا ترى في دماء الآخرين ما يستحق العمل من أجل صونه وحفظه.

إن سلوكاً أكثر مسؤولية من جانب الحكومة الدانماركية كان يمكن أن يحول دون انطلاق الكراهية من عقالها، ودون سقوط مزيد من القتلى والجرحى، منهم من جاء دوره ومنهم من ينتظر. وعلى الرغم من كل المناشدات ومن مشاعر الغضب التي نقلتها الدول الإسلامية والعربية فإن هذه الحكومة لم تحرك ساكناً لإيقاف الكارثة.

القاعدة نفذت الهجوم الانتحاري على السفارة الدانماركية، لكن القاعدة ليست المسلمين، ولا تعبِّر عنهم، وهي منظمة إرهابية تطاردها الدول العربية والإسلامية منذ زمن طويل، بل إن الدول العربية كانت تلاحقها في الوقت الذي كان بعض زعمائها يجدون في بلدان الغرب ملاذاً مفتوحا لهم. والصحف الدانماركية التي نشرت الرسوم مؤسسات ذات سلطة، والحكومة التي ساندتها- ولو ضمنا- حكومة رسمية ومنتخبة، ومساندو التطرف في الدانمارك نخب اقتصادية واجتماعية وأحزاب لها تمثيلها في البرلمان. فأي الفريقين أسوأ عملاً؟

* باحثة سياسية مصرية

amal.m.sakr@gmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »متى نتعايش دون احقاد ؟ (حمدى البصير)

    السبت 7 حزيران / يونيو 2008.
    اعجبنى فى هذا المقال فكرة الفصل بين الاسلام واعمال المسلمين
    وايضا لابد ان نفصل بين الشعب الدانماركى وقلة تعتبر ان من حرية الرأى إهانة المقدسات وتشويه الرموز الدينية والرسل فتلك القلة ذهبت بتطرفها فى مجال الحرية الى مرتبة حيوانية احيانا وزواج المثليين الرسمى من ذلك وايضا الاب الاوربى الذى حبس ابنته فى قبو سنوات طويلة وانجب منها دستة اطفال ليس ببعيد فهؤلاء وصلوا بعشق الحرية الى مرحلة الانتحار متناسيين ان الشىء الذى يزيد عن حده ينقلب ضده فلا توجد حريةمطلقة وايضا انا ضد ان ييكون رد الفعل لنشر الصور المسيئة هو محاولة قتل صاحبها او تفجير سفارة فهذا مسىء للاسلام اكثر من ان ينشر نكرة اوربية رسوما مسيئة
    واعتقد اننا اعطينا الموضوع اكثر من حقه فعندما اعترضنا بشدة على الرسوم واتسعت دائرة الاعتراض طلبت دول اوربية اخرى نشر الرسوم واعطبنا فرصة العمر لرسام مغمور ان يشتهر
    بل وشجعناهم على انتاج فيلم الفتنة والذى جمع كل الافعال التى لا نحب ان يشاهدها احد من المسلمين لانها من فعل مجانين ومتطرفين ومسلمين بشهادة الميلاد وحتى بعد عرض الفيلم المشبوه لم يتأثر الاسلام العظيم من افعال حاقد تحركة قلة صهيونية ولم نتأئر نحن المسلمين لان ديننا اكبر بكثير من ان يؤثر فيه مخرج اوحتى رسام ضال وكان من الافضل ان نتجاهل هؤلاء الجهلاء بدلا من ان نمنحهم الشهرة على طبق من فضة فالتجاهل هنا هو رد فعل طبيعى وهذا ليس رأيى فقط بل رأيى صحفية تعمل فى نفس الجريدة والتى تعرفت عليها منذ عشر سنوات عندما زرت الدانمارك وزرت نفس الجريدةوقد قالت لى زميلتى الدانماركية مؤخرا ان الرسام حصد الملايين بسبب اهتمامكم به بعد ان كان مفلسا ونكرة وانتم خسرتم لانكم صورتوا انفسكم كمسلمين كمتطرفين وضد حرية الرأى وعليكم عمل رسومات مضادة كرد فعل طبيعى ولكن قلت لها نحن كصحفيين مع حرية الرأى ولكننا ضد الاساءة للاديان وهكذا علمنا رسولنا الكريم
    تحياتى الى كاتبة المقال فأنا اتابع موقعكم ومقالاتها واعتقد ان كتاباتها واعدة لانها معتدلةوموضوعية جدا
    حمدى البصير
    مدير تحرير جريدة العالم اليوم المصرية
  • »المقاطعة (انديرا)

    السبت 7 حزيران / يونيو 2008.
    اذا كانت حريتهم في الاساءة الى الرسول عليه افضل الصلاة والسلام فان حريتنا في مقاطعة بضائعهم هي خيارنا.

    فلن تكون الجبنة او ي منتج هولندي او دنماركي احب على المسلمين من نصرة نبيهم، وشكر خاص للكاتبة الباحثة امل صقر