د.أحمد جميل عزم

حل معضلة حزب الله

تم نشره في الأربعاء 14 أيار / مايو 2008. 02:00 صباحاً

بغض النظر عن الاعتبارات الأيديولوجية والعاطفية والتاريخية المرتبطة بعظمة إنجازات "حزب الله" والتي تؤدي للتعامل مع الحزب من قبل كثيرين بتأييد أشبه بالأعمى، فإنّ الحزب يطرح على الساحة العربية مشكلة مزدوجة. الشق الأول منها، برز منذ انتصاره على إسرائيل عام 2000، فأي محلل يعتمد بديهيات علم العلاقات الدولية، يدرك أنّ  الحزب أصبح يجسّد بما يعرف علميّا بمشكلة (فائض القوة)، التي تنشأ عندما تخرج قوة عسكرية من انتصار، ولديها قوات وإمكانيات عسكرية كبيرة ومتطورة، فإن لم تقم بتحويل قدراتها العسكرية إلى طاقة مدنية، سترتد للتدمير الذاتي والخلافات والمواجهات الداخلية، أو أنّها ستبحث عن هدف لمحاربته. وهذا ما حدث مثلا مع العراق، بعد حرب إيران، إذ أدى فائض القوة ضمن أسباب أخرى، لغزو الكويت. وكان الجدير بالنظام العربي، والدول العربية الفاعلة أن تدرس هذا التحدي وتضع له الحلول في وقت مبكر، قبل أن يتحول لإشكالية على أرض الواقع، خاصة أنّ حزب الله، أعلن صراحة أنّ قضيته مع الاحتلال الإسرائيلي، تتعلق بما تبقى من أراض لبنانية محتلة والأسرى اللبنانيين، أي أنّه على وشك إقفال ملف العمل العسكري لأجل التحرير وهو لا يتصدى مثلا لتحرير فلسطين، وأنّ الوضع اللبناني فيه الكثير من أسباب التوتر والاستفزاز والعداء ضد حزب الله.

الشق الثاني من إشكالية "حزب الله"، أنّ الحزب مرتبط بقوة خارجية لا تخفي سعيها لمد هيمنتها، للمنطقة العربية، فقادة إيران وصحافييها الرسميين، من أمثال حسين شريعتمداري، يعلنون ليل نهار، (لمن يكلف نفسه عناء القراءة والمتابعة)، أنّهم يؤمنون بالتفوق الفارسي على العرب، الذين يفتقرون للحضارة برأيهم، ويعلنون أنّ على العرب كما الولايات المتحدة القبول بدور إيران "المهيمن"، وتزداد يوميا دعوات السياسيين والعسكريين الإيرانيين، لضرورة نشر مبادئ الثورة الخمينية، أي الفكر المذهبي الإيراني، ووفق أجندة القومية الفارسية. وحزب الله لا يخفي ارتباطه العضوي والعقائدي والسياسي والمالي بإيران. وهذا الارتباط يعني أنّ أجندة الحزب مرتبطة بمعارك إيران بكل أبعادها القومية والمذهبية وحساباتها الخاطئة، أو القائمة على أفكار هي موضع خلاف شديد داخل إيران ذاتها.

حل هاتين الإشكاليتين، يرتبط من الناحية النظرية بحل قضيتين، تجعلان حتى من وجود "حزب الله" ذاته - رغم كل الاحترام والإجلال لدوره التاريخي الذي أداه - غير ضروري. هاتين القضيتين، هما أولا، ذيول الاحتلال الإسرائيلي في لبنان والموضوع الفلسطيني. وثانيا، بناء مؤسسات الدول العربية وفق أسس جديدة قائمة على مبدأ المواطنة المتساوية غير الجهوية.

وقد يبدو هذا الحديث نظريا، ولكن حقيقة الأمر أنّه ليس كذلك، وعلى الأخص في الشق الأول منه، فبعد حرب تموز 2006، بين الحزب وإسرائيل، نشطت دول الاعتدال العربي لحل الموضوع الفلسطيني – الإسرائيلي، وسرعان ما خبا هذا الجهد لأسباب مختلفة، والآن فإنّ كل الحلول العسكرية والحملات الإعلامية لن تحل إشكالية "حزب الله" السالفة الذكر (فائض القوة وإيران). وما سوف يحلها تصفية ذيول الاحتلال الإسرائيلي في لبنان (شبعا والأسرى)، وحل الموضوع الفلسطيني بتسوية مقبولة، وتغيير النهج العدواني الإسرائيلي، وهو أمر يجب أن يدرك المجتمع الدولي أهميته وعلى دول الاعتدال العربي العمل لأجله دون كلل.

أمّا موضوع بناء دول المؤسسات، وهو الأصعب، فكثير من خصوم حزب الله في لبنان، هم رموز التعصب الطائفي، وجزء منهم (الكتائب والقوات اللبنانية) لديه ماضيه الأسود في العلاقة مع إسرائيل وفي التطهير الطائفي، ولا بد من معالجة لمجمل النظام الطائفي اللبناني، بل ولمجمل إشكاليات الأنظمة السياسية العربية، وإعادة إقامتها على أسس المواطنة المنزهة عن الجهوية والطائفية، وعلى أسس ليبرالية (بعيدة كليا عن الليبرالية الجديدة)، وحتى ذلك الوقت فإنّ حل الجزء الخاص بذيول الاحتلال الإسرائيلي في لبنان فيه حل لنصف المشكلة، بإضعاف مبررات احتفاظ حزب الله بسلاحه، وسيكون لتسوية الموضوع الفلسطيني أثر حاسم في المدى المتوسط والقصير على الأقل في التصدي لكثير من إشكاليات التغلغل الإيراني والطائفية والإرهاب، مع بقاء الإصلاحين السياسي والاجتماعي الضمانة لمستقبل المنطقة في المدى الأطول.

باحث وكاتب أردني مقيم بالإمارات

[email protected]

التعليق