إبراهيم غرايبة

مهنة الصحافة في الأردن

تم نشره في الاثنين 5 أيار / مايو 2008. 02:00 صباحاً

برغم أن الصحافة الأردنية شكلتها النخب السياسية وقامت على عاتق المثقفين والأدباء فإنها قد ابتعدت بسرعة عن التطور الطبيعي المفترض للمهن، ثم إن الصحافة في العالم دخلت في السنوات الأخيرة في مرحلة من التحولات الكبرى والجذرية، وأصبحت سوقا واسعة ومؤثرة في حياة الناس وأفكارهم وسلوكهم أكثر من أية مرحلة سابقة، وقد يفسر هذا الخلل في مسار المهنة واقع الصحافة والصحفيين في الأردن اليوم.

لم تكن الصحافة في الأردن ساحة جذب للشباب الجامعيين والمتفوقين في الكتابة والعمل العام والسياسي، ولم تكن سوق عمل يتنافس عليها الشباب فتختار الصحف أفضلهم، وفي مرحلة من النمو الاقتصادي والاجتماعي وبخاصة في سبعينيات القرن الماضي عندما بدأت مهن مثل الطب والهندسة تجتذب أفضل الكفاءات العلمية، وعندما بدأت الأسواق الخليجية تجتذب أفضل الكفاءات الأردنية، وفي مرحلة من تبعية الصحافة للسياسة والحكومات تبعية مطلقة جعلتها جزءا ملحقا بها تحولت مهنة الصحافة إلى عمل يخلو من الإبداع والتنافس والتحدي.

وعندما دخل العالم في مرحلة المعلوماتية والاتصال كانت الصحافة هي من أكثر القطاعات تأثرا بهذه التحولات إن لم تكن أكثرها تأثرا، وأصبحت العلاقة بين صحافي ما قبل المعلوماتية وصحافي ما بعد المعلوماتية علاقة بين شخصين مختلفين لا يكادان يفهمان بعضهما، فلم يعد الصحافي في مؤهلاته وكفاءاته المطلوبة وشروط عمله والخبرات والمهارات اللازمة لممارسة مهنته هو نفسه الذي كان يعمل قبل سنوات قليلة بشروط ومهارات مختلفة كثيرا.

وفي دخول الصحافة لحياة الناس وأعمالهم أصبح المطلوب منها أيضا مختلفا عما كان يطلب من الصحف وما ينتظره القراء منها قبل سنوات قليلة، إننا نتحدث اليوم عن أدوات ومهن وأسواق مختلفة اختلافا كبيرا عما كان عليه الحال من قبل، وهذا ما يجب أن يدركه الصحافيون والقائمون على الصحافة قبل أن ينقرضوا، وإذا لم تبادر نقابة الصحفيين والصحف ووسائل الإعلام (عبارة الصحافة والصحافي تشمل جميع وسائل والإعلام) إلى إعادة صياغة قواعد المهنة وتوصيفها وممارستها فإنها تواجه تحديا كبيرا يذهب بمعظم إن لم يكن جميع مكتسباتها السابقة والقائمة، وقد حدث مثل هذا الأمر في فترات ماضية في معظم المهن المعروفة كالطب والهندسة والمحاماة، وتواجهه اليوم أيضا مهن أخرى غير الصحافة وبخاصة تلك التي تدخل المعلوماتية في مجالاتها بمساحات وأهمية واسعة.

وببساطة فإن ما يمكن قوله في السطور المتبقية إن ممارسة المهنة اليوم في مجال الصحافة تستوعب بشكل فعلي وقائم أكثر من عشرة أضعاف أعضاء نقابة الصحفيين، وفي الوقت نفسه فإن كثيرا من الأعمال التي كانت تنفذ مستقلة عن الصحافي أصبحت من صميم عمله اليومي، مثل استخدام الكمبيوتر استخداما متقدما والصف والتصوير والإخراج الصحافي، كما ان صعود مجالات جديدة وتحولها إلى جزء واسع ومهم من الصحافة كالاقتصاد والرياضة والعلوم والتقنية والبيئة وحقوق الإنسان والنشر والثقافة والفلسفة وأنماط الحياة والتعليم تجعل الصحافي غير قادر على أداء عمله بخبراته ومؤهلاته التقليدية.

وبسبب مواصلة إتاحة الفرص، في كثير من الأحيان، على أساس غير التنافس والمؤهلات المفترضة فإن حالة قائمة في الصحافة اليوم لا تختلف عن إسناد العمليات الجراحية في المستشفى لغير الأطباء أو بناء البيوت والعمارات لغير المهندسين، وإذا كان الأمر محتملا في المرحلة السابقة فإنه لم يعد ممكنا الاستمرار فيه اليوم بسبب اتساع مجال الصحافة وتعقد وتطور مؤهلاتها ومتطلباتها وعلاقتها بحياة الناس وشؤونهم اليومية والخدماتية وأعمالهم ومصالحهم.

مهنة الصحافة بحاجة إلى رؤية جديدة وإعادة تنظيم مختلفة اختلافا كبيرا عما كان عليه الحال طوال نصف قرن، وربما كانت الأزمة التي وقعت مؤخرا تعبيرا عن التحولات والإرهاصات التي تهب على المهنة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »دور الصحافة (yousef haddad)

    الاثنين 5 أيار / مايو 2008.
    فعلا الصحافة والاعلام الحديث بقيمه وعناصره مختلف تماما عن ذاك القائم في الماضي إذ اصبح دور ومؤهلات الصحفي اوسع بكثير من قبل
    على الاعلام بالاردن ان يستوعب التغييرات الاعلامية الحاصلة بالعالم والعمل على مواكبتها لا بل التطوير من بنيتها وهذا هو سر الفعالية الاعلامية الحديثة...
  • »منافقين (rani)

    الاثنين 5 أيار / مايو 2008.
    يعني أستاذ ابراهيم .. إذا كان "بعض " الصحفيين في بعض الجرائد المعتبرة تابعة لسياسات الحكومة يعتبر أن أي إنتقاد للسياسات هو خيانة للأردن و قيادته .... لم لا يرد أحدٌ عليه ؟!؟ نحن نحب الأردن ولكن لا نريد أن نتكلم كثيراً فنكون منافقين أو أن نخرس فتصبح السرقة "عينك عينك "