النظام والإخوان في مصر: إقصاء أم استئصال؟

تم نشره في الخميس 17 نيسان / أبريل 2008. 02:00 صباحاً

في عام 1942 صدر أول حكم عسكري بحق عضوين ينتميان لجماعة الإخوان المسلمين فى مصر، وقبل يومين فقط صدرت أحكام عسكرية بحق أربعين عضواً من الجماعة، وذلك في ختام محاكمة ماراثونية استمرت لأكثر من سبعين جلسة، يمكن أن تدخل بها موسوعة "جينس" للأرقام القياسية.

وعلي الرغم من أنها المرة العاشرة التي يتعرض فيها أعضاء من الإخوان المسلمين لمحاكمات عسكرية (جرت أول محاكمة قبل الثورة، ومرتين فى العهد الناصري وسبع مرات فى عهد مبارك)، إلا أنها المرة الأعنف والأكثر قسوة فى إجراءاتها وأحكامها.

فقد حُكم على خمسة أشخاص غيابياً بالسجن لمدة عشر سنوات، وعلى عضوين بارزين هما خيرت الشاطر النائب الثاني للمرشد العام للجماعة، وحسن مالك رجل الأعمال الإخواني المعروف بالسجن لمدة سبع سنوات، وعلى ثمانية عشر عضواً من قيادات الصف الأول والثاني بعقوبات تتراوح ما بين ثلاث إلى خمس سنوات، بينما تمت تبرئة خمسة عشر عضواً، جميعهم أمضى عاما ونصف العام خلف القضبان.

وإذا كان القانون يتيح للإخوان فرصة الطعن على هذه الأحكام أمام محكمة الطعون العسكرية، إلا أنه ليس من المتوقع تخفيف الأحكام وذلك حتى لا تفقد تأثيرها على الجماعة، خاصة وأنها تحمل قدراً من التسييس لا تخطئه العين.

 

رسائل عديدة يمكن قراءتها فى خلفية المشهد السياسي لهذه الأحكام، أولها يتعلق بإعادة تأطير العلاقة بين النظام المصري وجماعة الإخوان، حيث أسقطت هذه الأحكام أية خطوط حمراء في تعاطي النظام مع الجماعة، فمعاقبة النائب الثاني للمرشد بهذا الشكل القاسي، وللمرة الأولى فى تاريخ الجماعة، هو رسالة رمزية واضحة تشي بأن يد النظام يمكنها أن تطال أي عضو فى الجماعة، وأن لا أحد يبدو بعيداً عن العقاب.

وثانيها، أن الحكم على خيرت الشاطر، تحديداً، يعني أن النظام قد قطع خطوط العودة فى علاقته بالجماعة، حيث كان الشاطر يمثل أحد الوجوه المقبولة لدى النظام، وقد لعب مراراً دور "الوسيط" فى تهدئة أجواء الاحتقان بين الجماعة والنظام طيلة السنوات الخمس الماضية.

وثالثها، أن النظام يبدو عازماً على المضي قدماً فى استراتيجيته الإقصائية تجاه الجماعة، وذلك من دون الاكتراث لأية ردود فعل قد تصدر عن الجماعة. وهي استراتيجية دخلت حيز التنفيذ منذ الفوز الكبير الذي حققته الجماعة فى الانتخابات التشريعية أواخر عام 2005. وهي استراتيجية متعددة الأذرع ما بين سياسية ودستورية وأمنية واقتصادية وإعلامية.

ورابعها، أن النظام المصري يبدو مصرّاً على استنزاف الجماعة وتشتيتها تنظيمياً وذلك  من خلال سياسية تجفيف المنابع الاقتصادية للجماعة (تم الحكم على نحو سبعة من كبار رجال الأعمال فى الجماعة)، أو عن طريق خلق نوع من الفراغ التنظيمي داخل الجماعة قد يشعل صراعاً داخلياً لملئه.

الآن يرسخ النظام المصري قواعد لعبته الجديدة مع الإخوان، وهو بذلك ينقلب على معادلته التقليدية التي اتبعها معهم لأكثر من عقدين، والتي قامت على قاعدة "الاحتواء بدون دمج"، كي يحلّ محلّها قاعدة جديدة مفادها "الإقصاء بدون استئصال"، (قد تتحول لاحقاً إلى قاعدة "القتل البطيء")، وقد وصلت هذه القاعدة إلى ذروتها بصدور هذه الأحكام القاسية. وهي معادلة تبدو ناجعة حتى الآن فى خلخلة العقل الإخواني، وشلّ حركة التنظيم، وتشتيت قياداته.

بيد أن السؤال المهم الآن هو: هل يدرك النظام مخاطر المضي قدماً فى استراتيجيته الجديدة؟ وهل سترضخ الجماعة لمثل هذه الاستراتيجية؟ بالنسبة للسؤال الأول، يبدو النظام، أو بالأحرى أحد أجنحته المتنفذة، مصرّاً على الاستمرار فى التصعيد إزاء الجماعة، وهذا الجناح يشعر بمدى تهديد الإخوان لأية سيناريوهات تتعلق بعملية نقل السلطة فى مصر، لذا فهو لا يعبأ كثيراً بمخاطر التصعيد الذي يمارسه ضد الجماعة، مستنداً فى ذلك لأدواته القانونية والدستورية.

ويعتقد نفر من هذا الجناح أن بإمكانهم أن ينجحوا فيما فشل فيه الآخرون من "تحنيط" النشاط السياسي والاجتماعي للجماعة. وفي هذا الإطار لا يبدو مستبعَداً رغبة هذا الجناح فى الضغط على الجماعة بشكل مستفزّ، أملاً فى حدوث ردة فعل عنيفة من جانبها قد يمكن استغلالها للإجهاز عليها وإنهائها. كما لا يبدو مستبعَداً أيضا رغبة هذا الجناح فى جرّ الجماعة لاحقاً، لتسوية سياسية ترتبط بمسألة نقل السلطة فى مصر، ويكون الثمن حينئذ أمنياً، وليس سياسياً، وذلك من خلال تخفيف القبضة الأمنية عن كوادر الجماعة وقياداتها، وقد تتم العودة للصيغة القديمة "احتواء بلا دمج".

بيد أن ما يغيب عن هذا الجناح، والذي لا يبدو متمتعاً بالخبرة السياسية الكافية، أن جماعة الإخوان تتمتع، تاريخياً، بقدر عالٍ من العقلانية والثبات فى مواجهة مثل هذه المواقف، وذلك رغم قساوتها، كما أنها أكثر ذكاء من أن تنجر إلى مواجهة مفتوحة تعلم مسبقاً أنها ستكون الخاسر الوحيد فيها. كما يغيب عنهم أيضا القدرة على تقييم تأثير مثل هذه الاستراتيجية الإقصائية على المناخ السياسي والاجتماعي الذي وصل مؤخراً لأقصي درجاته توتراً، بشكل بات يهدد فرص بقاء هذا الجناح فى السلطة.

أما بالنسبة للإخوان، فتبدو الجماعة فى موقف لا تُحسد عليه، وهي تدرك أنها تدفع قسطاً من ثمن المستقبل "المجهول" الذي تنتظره البلاد. فعلى مدار عامين نجحت في نزع فتيل المواجهة المفتوحة مع النظام أكثر من مرة كان آخرها الإضراب الاخير ، بيد أنها الآن تبدو فى مرحلة فارقة، فإما الاستسلام لهذا النهج الإقصائي ودفع كلفته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وإما مواجهته بشكل أكثر عقلانية واتزاناً، من خلال إعادة ترتيب الأوراق بهدوء والنظر فى كيفية تفويت الفرصة على النظام لإقصائها.

وفي كل الأحوال، ستظل الأحكام العسكرية الأخيرة بمثابة نقطة فاصلة في تاريخ العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين والنظام المصري، وقد تدشن لمرحلة جديدة أبرز ملامحها التوتر والخشونة بين كلا الطرفين.

كاتب مصري

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المستقبل لهم (محب)

    الخميس 17 نيسان / أبريل 2008.
    لا نقول الا
    حسبنا الله ونعم الوكيل
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وانت خير الفاتحين