محمد أبو رمان

معركة البخيت لم تنته!

تم نشره في الاثنين 10 آذار / مارس 2008. 02:00 صباحاً

الحوار الممتع والمطوّل الذي أجراه الزميلان ماجد توبة وفرح عطيات هو بمثابة قراءة بأثر رجعي لـ"مرحلة معروف البخيت" وما شهدته تلك المرحلة من جدالات ومعارك سياسية وإعلامية عاصفة وإشكالات في تعريف المرحلة واتجاهها وحقيقتها.

ربما كان التقييم لتلك المرحلة يختلف لو لم يصاحب البخيت  سوء الحظ الذي تبدّى بالأزمات "المكبوتة" التي تفجّرت في وجه الرئيس، كحالات التسمم وتلوث المياه والعواصف الثلجية، وجميعها استنزفت جزءاً كبيراً من جهد الرجل وحالت دون تفرّغه للمشروع أو المعركة الأهم والأخطر التي كان يفكّر فيها، بخاصة أنّ النفخ الإعلامي، البريء أحياناً قليلة والموجّه أحياناً كثيرة، أدّى إلى تعبئة الرأي العام ضد الرجل وتصويره وكأنّه المسؤول عن تلك الأزمات، مع أنّ المنطق المسؤول والسليم يؤكد أنّها أزمات تراكمية، كان عنوانها الصحيح ليس "عجز الحكومة" وإنّما تمثِّل مؤشرات خطرة على "ترهل القطاع العام" تحت وطأة التضخم والغلاء وتغير موازين القوى داخل الدولة. ولعلّ المفارقة الرئيسة أنّ أحد أركان مشروع البخيت السياسي هو استعادة حيوية القطاع العام وقوته ومكانته.

معركة البخيت الحقيقية برزت بوضوح في خطابه الخطر (في نهاية آب الماضي) الذي أعلن فيه عدم رفع الأسعار انتصاراً لـ"مدرسة الإنسان" في مواجهة "مدرسة الأرقام"، وكانت تلك إشارة غير مسبوقة لحجم الاختلاف والتباين بين مدرستين في مؤسسات صنع القرار، مدرسة تريد الحفاظ على أسس المعادلة السياسية والاجتماعية وعلى هوية الدولة ووجهتها، ومدرسة أخرى تعيد إنتاج تلك المعادلات، لكن من مدخل اقتصادي.

بينما تمتلك "مدرسة الأرقام" وصفات جاهزة للتطبيق، ذات صبغة عالمية، لا تقيم وزناً للوقائع الاجتماعية والخصوصية الداخلية، كما ذكر تقرير لمؤسسة كارنيغي. كان البخيت يمتلك رؤية شخصية بملامح عامة، حاول تطبيقها في اللحظات الأخيرة من مرحلته، تقوم على التحفظ على جوانب في برنامج "الإصلاح الاقتصادي" لما لها من انعكاسات اجتماعية واقتصادية كارثية، لكن البخيت لم يجد خبرة اقتصادية قادرة على تأطير رؤيته تلك، تُشكِّل خطاب المدرسة "الليبرالية الوطنية" في مواجهة "الليبرالية الجديدة"، وهي نقطة ضعف رئيسة في مشروع البخيت.

"انتفاضة البخيت المتأخرة"، كما وصفها الزميل فهد الخيطان، لم تكن كذلك! بل خاض الرجل معركته منذ البداية، لكنه كشف عنها في اللحظات الأخيرة، وجسّد بصورة واضحة هاجس جيل تربّى في القوات المسلّحة واشتغل في المؤسسات السياسية الحيوية، يشعر بالقلق والخوف على هوية الدولة ومشروعها، ودخل في صراع شديد من أجل "معركة الدولة".

ربما تخبِّئ السجالات الإعلامية والسياسية، التي تطفو على السطح، حقيقة ما يجري في العمق. لذلك لم تأخذ معركة البخيت عناوينها الحقيقية. ما أختلف فيه مع البخيت هو تقييم الانتخابات البلدية والنيابية، والموقف من جماعة الإخوان المسلمين. وعلى الرغم من أنّ هنالك رؤية تقف وراء موقف البخيت وتدخل في سياق المعادلة الاستراتيجية الداخلية، وبخاصة محاولة تيار إخواني - على علاقة بحماس- السيطرة على مقاليد الحركة الإسلامية، ما قد يعيد هواجس "تعدد المرجعيات داخل الدولة" وذلك خطٌّ أحمر.. إلاّ أنّ الحفاظ على مصداقية ومشروعية الانتخابات البلدية والنيابية خطّ أحمر أيضاً. كما أنّ مجال التفاهم والحوار كان مفتوحاً مع التيار المعتدل الذي يمثل الخط الإصلاحي، وقد قدّم ضمانات ومواقف يمكن الاتكاء عليها بدلاً من ضرب هذا التيار، كما حصل فعلاً.

معركة البخيت لم تنته! ويُفترض أن تكون جزءاً من مشروع الإصلاح، تشكل مضمونه وحدوده وأوّلياته، وفي مقدمتها استعادة الدور الدستوري للمؤسسات السياسية الرئيسة (البرلمان والحكومة) في اللعبة السياسية، ثم الانطلاق من ذلك لتحسين شروط هذه اللعبة ومخرجاتها الرئيسة، التي تكفل التوازن بين استحقاق الإصلاح السياسي والحريات العامة وحقوق الإنسان من جهة وحماية هوية الدولة وقيمها واستقرارها من جهة أخرى.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لطفا !! (مأمون سلام)

    الاثنين 10 آذار / مارس 2008.
    صراحة ومن خلال متابعتي لآخر 8 رؤساء حكومة ارى ان دولة معروف البخيت يحتل المركز الاخير او ما قبله , اذ ان فترته تميزت بأسوأ انتخابات بلدية وبرلمانية بتارخ الاردن , مما شكل وصمة عار في جبين الحكومة لن تمحوه المقالات مدفوعة الأجر , كما ان الحريات وصلت مرحلة لم تصله ابان الاحكام العرفية , القضايا الأخرى كالغلاء والفساد , وقصة التسممات كلها اضافة جديده لملف الحكومة التي اعتقد ان الهدف من قدومها كان تحجيم بل وضرب الاسلاميين , ولنتذكر جمعية المركز الاسلامي وسجن النائبين والاعتداء على النائب العتوم ...
    يا استاذ ابو رمان ما زلت تفتقر لبعض المنطقية بتحليلك .
  • »تعقيب من الكاتب (محمد أبو رمان)

    الاثنين 10 آذار / مارس 2008.
    الأخ أبو عدي،
    وقد طلبت إجابة على سؤالك،
    هكذا مقالات ذات طبيعة مشفّرة، والإجابة تكون مشفّرة أيضا. فما يدور على السطح شيء وفي العمق شيء أخر.
    جدلية "مرحلة البخيت" تتعلق بقضية رئيسة تتعلق بتاريخية مرحلته؛ أي الفترة الانتقالية التي جاءت فيها، والتي تعكس معركة ذات أبعاد متعددة أبرز جوانبها يتمثل بدور المؤسسات الدستورية. ما يرتبط في المحصلة بهوية الدولة ووجهتها.
    الرجل عكس موقف مدرسة داخل مؤسسات الدولة تدرك هذه المعادلة جيداً، وتتحرك على هذا الأساس. لذلك تعرّض لهجوم إعلامي شرس.
    فهو قد يكون أصاب وربما أخطأ في كثير من المجالات، كما ذكرت في المقال، لكنه قرأ جيدأ وبذكاء خطورة المرحلة وقاد تيارا امتلك مشروع "ممانعة" دون ان يمتلك "مشروعاً بديلاً".
    يمكن استجلاء جزء من الأزمة الغاطسة من خلال المقارنة بين الهجوم الإعلامي الذي تعرض له البخيت وكان حادّاً وقاسياً وبين النعومة الإعلامية مع الحكومة التالية، على الرغم أنّ الأخيرة اتخذت القرار الأخطر، الذي لم يتخذه البخيت، أو أجّله للبحث عن إجراءات وقائية، على الرغم أنّ هذا القرار يمس حياة المواطنين بصورة حساسة وحرجة. ما لم يقبل به البخيت أن يتحول إلى سكرتير تنفيذي هو أحد محركات المعركة والأزمة التي خاضها...
  • »انتصارا لمدرسة الانسان؟؟؟؟؟ (أم فارس)

    الاثنين 10 آذار / مارس 2008.
    الأستاذ محمد
    أعتقد بأنك تتحدث عن الحكومة السابقة وكأنها الحكومة الأفضل، وهذا غير صحيح لأنّ عدم قرار الحكومة برفع أسعار المحروقات أنذاك لم يكن انتصارا لمدرسة الانسان لأنّ البخيت نفسه أشار في المقابلة بأنه كان سيتخذ القرار لو بقيت حكومته.
    هذا من جهة ومن جهة أخرى لم يكن "هذا الانتصار" لصالح الأردنيين الذين شعروا برفع الأسعار مرة واحدة وبدرجة كبيرة جدا.
    أما معاركه الجانبية فهذه ليس من شأني أنا كمواطن بل هو شأنه هو وكل ما حصل من "فضائح" ومشاكل في ذلك الوقت يجب أن تتحمله حكومة البخيث كماهو الحال في أي حكومة في أي دولة في العالم.
  • »البخيت معروف (محمد)

    الاثنين 10 آذار / مارس 2008.
    البخيت معروف بالكيل بمكيالين حتى على مستوى فريقه الوزاري.. صرف بعضهم بسبب اخطاء غيرهم(قضية المياه) و ابقى الذين تصرفوا ب "تسرع" و عدم مسؤولية (ثلجة الجنوب) و ضحى بالبعض الاخر عند رفع الاسعار.. ولكن لست انامن يحاسب اصحاب "الدولة" فهناك اله في السماء يمهل ولا يهمل!
  • »كما قلت للسيد فراعنة (hussein)

    الاثنين 10 آذار / مارس 2008.
    يا أبو رمان، بالله عليك إصحوا وبكفي تملق ما بطعمي خبز. ما بتقدر تخالف وجهة نظر الشعب بشخص معين أنت قبل الكل بتعرف أنه راح و إجا زيو زي غيره. و هاي البلد الله يعينها إذا لسه فيها نا بتمدح بغير حق. من وين رح يجي التطور إذا صرنا منمدح الى أضعف الاقتصاد و أنت تعرف ما أعني, إرمي قلمك.. أرجو النشر إذا كنتم تدافعوا عن حرية التعبير، إن لم تنشروا.. فالنظرية واضحه أصلا للجميع
  • »سوبرمان (أبو عدي)

    الاثنين 10 آذار / مارس 2008.
    نفسي أعرف متى رح تنتهي سلسلة البخيت.. ما بعد البخيت.. وما بعد وما بعد البخيت.. لماذا بصمته موجودة بالصحافة والاعلام وليست موجودة بالشارع..
    ما السر من تهافت الكتاب والصحفيين على مدحه من غيره. أرجو إعطاء حقائق ومقارنة مع رؤساء آخرين.
    أريد إجابة لسؤالي يا أخ محمد
  • »من عاد الاخوان...خسر (مازن الفراسين)

    الاثنين 10 آذار / مارس 2008.
    المتابع لسير جميع الحكومات ..
    يلحظ وبدون ادنى درجات الشك معادله سهله( كل من عاد ...وخطط لاقصاء الاخوان) فشل وانتكس بعد زوال الكرسي...وبقي الاخوان!
    السر بسيط جدا..فالاخوان مكون اساسي بالمشهد الاردني السياسي والاجتماعي والثقافي..
    وعمر الاخوان من عمر التاسيس للدوله..
    الاخوان بشر لهم وعليهم ..لكنهم ملح الارض ..وفاكهة الاعلام والاعلاميين..وحديث الناس
    الاخوان تاريخ منتمي للبلد..ومستقبل نماء له
    الا فاعتبروا يا اولي الالباب