د.باسم الطويسي

هل يوجد لدينا اقتصاد سوق؟!

تم نشره في الخميس 28 شباط / فبراير 2008. 03:00 صباحاً

على مدى عقود مضت كان الاقتصاد الأردني يوصف بأنه اقتصاد سوق موجه؛ أي أن الدولة تملك من الأدوات القانونية والإجرائية ما يمكنها من التدخل في توجيه السوق وحماية المجتمع، وتملك أيضا حصة من ثروة المجتمع تديرها وفق مصالح العامة، وتمنع بموجب هذه الأدوات تغول قوى اقتصادية أو اجتماعية على ثروات المجتمع وحاجاته الأساسية، وتتصدى في نفس الوقت لأحد أسوأ أمراض السوق الرأسمالية أي الاحتكار.

وإذا كانت الدولة الأردنية قد نشأت ونمت باعتمادها اقتصاد السوق الموجه فقد كان هذا الاقتصاد لوقت قريب أقرب إلى الرأسمالية الاجتماعية، فيما أوجدت سياسات التحرير الاقتصادي حالة ونمطا آخر يفتقد لأهم عناصر اقتصاد السوق بمفهوميه العلمي والتاريخي.

نكتشف هذا النمط على ارض الواقع وفق الحقائق التي يبرزها سلوك السوق في لحظات التحول أو الأزمات، وآخرها رفع الدعم عن أسعار المشتقات النفطية، فلقد كان من بين أهم المفاهيم التي خضعت للمراجعة في عمليات التحول الاقتصادي التي شهدها العالم منذ بداية عقد التسعينيات والتي كفلت إعادة إنتاج النظام الرأسمالي بنسخته الجديدة  مفهوم المنافسة والاحتكار؛ فالسوق الجديدة هي المنافسة المفتوحة بآفاقها الرحبة والتي تملك في داخلها القدرة على الحد من الاحتكار ومنعه أحيانا، بالرغم من الحديث عن التكتلات والاندماجات العملاقة. فالسوق تعني المنافسة أي وجود عدد كبير من المنتجين والبائعين والمشترين، بحيث لا يمكن ولا يتاح لأي من الفاعلين في السوق (منتجين، بائعين، مشترين) السيطرة الكاملة وفرض شروط الصفقة، حتى ان بعض وجهات النظر ترى أنه حينما ازدادت قوة الكيانات الاقتصادية العملاقة على المستوى العالمي عملت الدينميكيات الداخلية على فرض المزيد من الأدوات للتكيف مثل فرض منطق الأسعار العالمية الى جانب ما يسمى (ديمقراطية السوق).

تكشف الإصلاحات الاقتصادية الأردنية وآخرها تحرير قطاع الطاقة كيف أن الدولة حينما تتخلى عن احتكاراتها التقليدية من دون توفير التمكين المجتمعي الحقيقي تتحول هذه الاحتكارات الى قوة في يد فئة محدودة تعيد إنتاج السيطرة على ثروات المجتمع من جديد وتمنع الاقتراب منها، لتحقيق المزيد من المنافع والأرباح لهذه الفئة.

وكأن ما يحدث لدينا، انه كلما تعمقنا في ادعاء الإصلاحات الاقتصادية  ازدادت الفجوة مع حقيقة اقتصاد السوق، رغم ما تقدمه التقارير الدولية من أرقام ومؤشرات حول بيئة الأعمال والإصلاحات التشريعية والتنافسية وغيرها من مؤشرات. فشروط السوق الأساسية تتمثل في الإنتاج والتنافسية وهي بالفعل متوفرة في الإنشاء الرسمي، والواقع على الأرض يكشف آلية إعادة إنتاج الاحتكارات في معظم القطاعات بينما يبقى الحديث عن التنافس مجرد شعار.

أزمة الغلاء المستمرة قبل تحرير قطاع الطاقة والمتفاقمة حاليا لا تفسر برفع الدعم الحكومي ولا بموجة ارتفاع الأسعار العالمية وحدهما، بل باختلالات أساسية وعميقة في السوق، وفي إرادة الدولة وقدرتها على استخدام أدواتها في ضبط سلوك السوق وكبح جماح الهيمنة فيها. فلا يمكن تفسير الارتفاع الكبير الذي شهده قطاع الإسكان والعقارات من دون العودة إلى الاحتكارات وغياب التنافسية في المداخلات الأساسية لهذا القطاع؛ وبالتحديد في الاسمنت الذي ارتفع خلال اقل من عام 18%، كما هي الحال في ديد البناء الذي ارتفع خلال عام واحد نحو 45%، حيث لا تتوفر منافسة حقيقية ما خلق هذا الارتفاع غير الواقعي.

وتمتد الاحتكارات وإغلاق السوق أمام معظم الخدمات والسلع الأساسية، كما يحدث في القطاع المصرفي المغلق أمام منح تراخيص بنوك جديدة منذ سنوات طويلة، تحدث أيضا في قطاع السياحة ثمة أنشطة اقتصادية في هذا القطاع محتكرة ويمنع الاقتراب منها. ولعل دراسة علمية وموضوعية لهذا القطاع ستثبت كيف أن الاحتكارات قد أعاقت نمو هذا القطاع وما تزال تعيقه لان القوى المهيمنة في هذا السوق لا تريد التوسع فوق قدراتها ولا تريد ان تفتح الطريق أمام منافسين جدد. حتى قطاع الثروة الحيوانية هذا الآخر يعاني من الاحتكارات، وكل الحديث والبكاء على الثروة الحيوانية لا يذكر بأن 70% من الاستثمار في هذا القطاع هو في الدواجن.

السوق عبر التاريخ قوة هائلة وضخمة، هي المعول القوي لبناء الدول وتغيير وجه التاريخ، كما انها قوة كبرى للهدم والمصدر الأول لعدم الاستقرار.

Basim.tweisi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الجواب على عنوان المقال (لا) (musa nawafleh)

    الخميس 28 شباط / فبراير 2008.
    في الواقع ان المتتبع لما يحدث في السوق الاردني يدهش من حجم الزيادات التي طرأت على الأسعار والتي زادت بعضها بنسبة تصل الى ما يزيد على 100% ، الوضع الطبيعي وهذه الحالة ان تزداد الدخول بنسبة تتوافق وتتفق مع الزيادة في الأسعار الا ان الذي يحصل عكس ذلك تماما فهناك مؤسسات سوف يتم اقتطاع علاوات تاسيس منها خلال شهر آب القادم، كمثال على حرية السوق !!!
    اقتصاد السوق يقوم على تفاعل قوى الطلب والعرض بمعنى اذا زاد الطلب على سلعة معينة يزداد سعرها بفعل زيادة الطلب، كما زيادة العرض تؤدي الى انخفاض السعر بفعل زيادة العرض وهذه هي قوانين طبيعية؛ ان ما يحصل عندنا في الاردن عكس ذلك تماما بدليل في حال ارتفاع سعر سلعة معينة تجد الناس (طوابير) لشراء هذه السلعة وكأن هذه السلعة بعد ارتفاع سعرها لن تعود للسوق ثانية !!
    الأمر الثاني ان اقتصاد السوق يفرض ان تخضع جميع السلع والخدمات لقوانين العرض والطلب، وليس للاحتكار، فالمفروض في حال انخفاض سعر النفط على مستوى العالم ان ينعكس ذلك في الاردن أسوة ببقية دول العالم، ما يحصل هو العكس ايضا تنخفض الأسعار في كل العالم ويبقى السعر لدينا على حاله دون تغيير وكأننا في عالم آخر!!!
    ان الاحتكار بشكل عام علاوة على انه سيئ ويضر بمصالح الوطن والمجتمع والناس، الا انه يشكل عائقا امام تطور السوق والمؤسسات وعقبة امام النمو الاقتصادي والاجتماعي.
    وحمى الله الاردن عزيزاً آمنا اللهم آمين.
  • »An addition (Basheer Salaytah)

    الخميس 28 شباط / فبراير 2008.
    First of all , I want to cite these to phrases from Owen Hughes Book "Public management and administration". In his book there is chapter about the implementation of publis-sector reform agendas in developing countries. He wrote:"...assets were sold for much less than their values; and successful bidders were offered terms which sometimes included monopoly licenses". the previous points applies to Jordan in privatising the energy sector, specifically the electricity sector. Second, Joseph Stiglitz the Nobel Laureate in his book "making Globalisation works" indicates to the reforms that are accompanied with corruption, favorism and self-enrichement which inhibit developing countries to reap the benefits of the market economy. In Jordan, we know how and why the steel production is protected to favor some political elite who I call them the "Jordanian Business oligarchs".
  • »فيلم هندي (بشرى سعيد)

    الخميس 28 شباط / فبراير 2008.
    نحن ليس لدينا سوق فنحن نعيش على المعونات الخارجية وعلى تحويلات المغتربين وعلى بيع القطاع العام وعلى الضرائب التي لا تنتهي. القوى الشرائية لسوقنا ضعيفة جداً ونسبة الفقر عالية ولا توجد مصادر طبيعية ولا يوجد مؤسسات علمية تسجل اختراعات أي كان نوعها. وطبعاً هناك شريحةاجتماعية مسؤولة عن حماية البلد لا يمكن التفريط بامتيازاتها. كله طق حنك علشان نضغط المصاريف وندفع الديون التي علينا للبنك الدولي. فيلم هندي.