الحلقة المفقودة في الحوار الاوروبي الاسلامي

تم نشره في الأربعاء 27 شباط / فبراير 2008. 02:00 صباحاً

في الجدل الدائر بين دول اوروبية من جهة، والاوساط الاسلامية التي تتصدى لمحاولات الاساءة للاسلام من جهة ثانية, توجد حلقة مفقودة. يدور الجدل حول نقطة رئيسة هامة: هل احترام حق حرية التعبير يسمح بالنيل من المشاعر الدينية لدى الآخرين؟.

من البديهي ان الاجابة المنطقية المعقولة، في حال غياب تشريعات قانونية واضحة تمنع المساس بمعتقدات الآخرين ورموزهم الدينية، هي قطعا بالنفي. أي انه لا يجوز ان تكون ممارسة حق حرية التعبير وسيلة للاستفزاز والتحدي والاساءة واحيانا التسفيه والاهانة، كما حدث قبل نحو عامين في الدانمارك ومن قبل في هولندا، وكما يتكرر في هولندا والدانمارك من جديد.

والحلقة المفقودة هي انه عندما يقدم مواطن في بلد ما على عمل يسيء للمسلمين او لرسولهم الكريم صلى الله عليه وسلم، او يسخر من معتقداتهم تشمل ردود الفعل الغاضبة توجيه اللوم للدولة المعنية، كما تشمل المطالبة بمنع مثل هذه الاعمال والاساءات. وهنا تبرز قضية حرية التعبير. فلا الدانمارك، ولا هولندا، اقرتا بحق من اساء في ارتكاب الاساءة، ولا عبر اي منهما عن الارتياح لما وقع بسبب العواقب، ولأسباب بديهية اخرى. ولكن، وفي كلا الحالين, كان التأكيد على حق حرية التعبير هو فقط لبيان ان الدولة لا تستطيع ان تمنع بالقوة ايا من مواطنيها من ممارسة الحق، حتى لو كانت الممارسة غير مسؤولة ومضرة وخارجة عن طور الذوق واحترام الآخرين واحترام مشاعرهم ومعتقداتهم، واكثر من ذلك حتى لو ادت الممارسة الى ردود فعل ضارة بعلاقات البلد واقتصاده ومصالحه، كما حصل بالنسبة للدانمارك بعد الرسوم المسيئة للرسول (صلى الله عليه وسلم).

ما حدث بعد الرسوم الدانماركية، ان ممثلي الدول الاسلامية طالبوا الحكومة الدانماركية بمنع نشر الرسوم وكان الرد ان الحكومة لا تملك الحق في ذلك بالنظر لحماية القانون لحق حرية التعبير. فكانت النتيجة ان دائرة اللوم توسعت لتشمل الحكومة، واتسعت كذلك دائرة ردود الفعل وحدّتها لتشمل العنف وحرق السفارات والدعوات لمقاطعة البضائع وحتى للمقاطعة الشاملة.

من الطبيعي ان المسائل التي تمس مشاعر الناس الدينية منها خاصة، لا تخضع لقواعد المنطق، فيستبد الانفعال بالناس. فمهما كان الموقف الرسمي المدافع عن حرية التعبير صحيحا من الناحية القانونية، فكان يجب ان لا يغلق الطريق على وسائل المعالجة الاخرى كأن تكون ادانة الاساءة، في حال تعذر منعها، اقوى واوضح، حتى لا يظهر الاحتماء بالقانون.. القانون الذي يمنع الاساءة بالقوة باسم حق حرية التعبير، وكأنه تبن مبطن للاساءة ودفاع مقنع عنها.

لذلك، وحتى لا يستمر اتساع هوة فقدان الثقة بين مسلمي اوروبا والدول المقيمين فيها فلا بد من تصويب مسارات الحوار، بنقل المبادرة من أيدي استفزازيين لهم اغراضهم، ووراءهم من يسيّر ويدفع ويشجع، ولديهم ايضا نوازع التعصب والعنصرية، الى أيدي المسؤولين في كلا الجانبين.

الذي نشهده يحدث حاليا هو استفزاز مبيت سرعان ما يتحول الى معركة بين الشعوب والدول. والمفروض، كإجراء بديل، ان تتضافر جهود المسؤولين والعقلاء من كلا الجانبين الى تطويق أي استفزاز وقتله في مهده من دون ان يسمح له بان يكون الشرارة التي تشعل فتنة تلبّي اغراض المُغرض وتجبر الآخرين للمواجهات التي ربما هي القصد من وراء أي استفزاز.

كلنا نقدس الحرية ونحترمها، كما نقر بحق الانسان في ممارسة اعلى مستويات الحرية والتعبير المطلق عن الرأي، وتلك القيم والمبادئ تقع في صميم الاسلام وتعاليمه السمحة، كما انها تمثل اعلى طموحات المواطن في بلادنا. ولكن لا حرية بلا ضوابط، كما لا يجوز ان يكون الحق في ممارسة الحرية المسؤولة الرصينة، هو حق ممارسة الاساءة والتجريح والسخرية والتشويه والاستخفاف، بخاصة عندما يتعلق الامر بمشاعر الاخرين الدينية على وجه التحديد.

ما هي الغاية التي يمكن ان تتحقق من وراء اصرار السياسي, عضو البرلمان الهولندي، ورئيس حزب الحرية غيرت وِلارز Geert Wilders، من وراء انتاج فلم يسيء للقرآن الكريم، ويصف قيم القرآن بانها تتعارض مع القيم الهولندية وان القرآن "هو دعوة للعنف والارهاب وعدم التسامح"!

وكيف يمكن ان لا يستفز هذا العمل الموغل في التجني والاساءة أعمق مشاعر الاحتاج والاستياء والغضب. وما المصلحة في شق اسفين الكره والتحريض بين مسلمي هولندا وبقية الشعب الهولندي الطيب الذي يستضيفهم. ولكنّ اي غضب يجب ان لا يوجه لغير المسؤول المباشر. واذا كان لا بد من تطويق الاستفزاز، وبالتأكيد لا بد من ذلك، فيجب ان يُبنى على رفض السلطات الهولندية ذاتها للفكرة. فقد عبر رئيس وزراء هولندا عن الخوف من الاساءة التي قد يستبب بها الفيلم وانه سيقود لردود فعل تهدد النظام العام والأمن والاقتصاد, وقال ايضا: "في هولندا تسود قيم حرية التعبير والدين وطريقة الحياة، ولكن تسود في هولندا ايضا قيم الاحترام والتسامح والمسؤولية، وبالتالي فان الاساءة لجماعات معينة، بلا لزوم، لا مكان لها في هولندا".

لا بد من السعي لبناء استراتيجية بعيدة المدى لتطويق التدهور، وبناء علاقات اوروبية اسلامية على اسس متينة، قادرة على استيعاب الازمات مرتكزة على القيم المشتركة الكثيرة التي تلتقي عندها ثقافة الجانبين، ومصالح التعايش المستقبلية الدائمة.

مندوب الأردن السابق في الأمم المتحدة

التعليق