البرلمان و"الصورة النمطية"

تم نشره في الاثنين 25 شباط / فبراير 2008. 02:00 صباحاً

بات بعض من لا يجدون موضوعا لمقالاتهم ناقدين اعتياديين لبعض المؤسسات الرسمية، وفي مقدمتها البرلمان، التي لم ترتق لمستوى الاداء المتوقع منها.

وإذا كنا نعتقد أن كثيرا من مؤسساتنا الوطنية جالبة للنقد وجديرة به بسبب ضعف قدراتها الإدارية والتنفيدية، الا أننا نؤكد على ضرورة تبني المنهج الموضوعي بالنقد وإظهار الإيجابيات تماما، كما نتألق بالحديث عن السلبيات، لعل ذلك يكون بداية الإصلاح ونوعا من أنواع المساعدة لمؤسساتنا المتعثرة، التي قد تتحفز وتبني على ما نعتبره جيدا في أدائها.

نتحدث هنا عن البرلمان لأن المراقب لسلوك وتوجهات البرلمان الاردني في فترة الثلاثة شهور ونيف الماضية يرى ان هذا البرلمان ليس كما يخاله كثيرون ضعيفا او مصفقا للحكومة، ويميل حيث تميل، بل انه متحفز ويعي تماما ان دوره شديد الاهمية لا تملك الحكومات نفسها القفز عنه. والبرلمان تجاوز تماما عقدة ان تصويته او وقوفه ضد الحكومة معناه عدم موالاته للدولة او لجلالة الملك، بل انه في كثير من الاحيان يضرب بسيف الدولة على تقصير الحكومات وتقاعسها.

رأينا سلوكا قويا لبرلماننا الجديد في عدد من القوانين، مثل قانون السير وهيئة الطاقة النووية والجمارك والموازنة، وقد أثبت هذا البرلمان انه قادر على الاقتراح والتعديل، ولا يمرر للحكومات ما تطلب بسهولة ويسر، والاهم انه لا يرحمها عندما ترسل قوانين ضعيفة، ليست مدروسة بالصورة الكافية.

البرلمان يذهب بهذا الاتجاه السياسي لاسباب عدة تعلوها محاولته تغيير الصورة النمطية السائدة عنه، والتي تعتبره غير مهم وليس صاحب قرار، وانما يصفق لما تريده الحكومات. كما ان لحداثة عهد البرلمان ودخول عدد كبير من اعضائه، والذين يزيدون على الثلثين لاول مرة لعضويته، تجعله نشيطا وقريبا من اجندته ووعوده التي قطعها في الانتخابات.

 لكن هذه السمة البرلمانية الصاعدة  ليست بالضرورة مستدامة، فهي ما تزال ظاهرة فردية من قبل عدد محدود من البرلمانيين الرياديين رغم تشابه ذلك مع العديد من المجالس التشريعية القوية في العالم، والتي تقاد من قبل عدد محدود من أعضائها. المهم في الحالة الاردنية ان تستمر القيادات البرلمانية بقدرتها على تحريك الجسم البرلماني كاملا لا ان يتبعثر الرأي البرلماني من دون حافز مؤسسي سياسي، وانما لمجرد جلب الاضواء.

البرلمان، وضمن هذا التوجه السلوكي، معني بمأسسة كتله البرلمانية ومنحها ثقلا سياسيا اكبر، وان يتبنى كل ما من شأنه أن يحفز النواب على الانخراط والانضباط تحت لواء الكتل مهما بلغ حجمها، وهذا ممكن ضمن تعديلات قد يتم إدخالها على النظام الداخلي لمجلس النواب.

نؤكد على هذا لأن مأسسة الكتل البرلمانية وبصورة متينة قد تتيح لها المجال للنمو خارج حدود البرلمان على شكل أحزاب جماهيرية خاصة، وان قانون الاحزاب الجديد على وشك ان يقضي على كافة احزابنا المشخصنة، وسيكون الفضاء مفتوحا لاحزاب جديدة ذات الامتداد الجماهيري الحقيقي.

البرلمان معني ايضا بالاستجابة للحاجات الفنية والسياسية للمشرع الاردني وان يمد يد المساعدة له لتعظيم قدرته التشريعية والرقابية، وهنا تجدر الاشارة للعديد من المبادرات التي يتبناها المجلس النيابي التي تصب في اطار زيادة القدرة الفنية المساندة للمشرع الاردني.

الحكومات تستطيع ايضا ان تسهم بتعزيز هذا التوجه السياسي الصحوي لمجلسنا التشريعي، فهي المشهود لها بقدرتها على إفساد البرلمانيين وتطويع أصواتهم! المطلوب منها في هذه المرحلة اكثر من مجرد الكف عن ذلك. المطلوب جهدا حكوميا يمأسس العلاقة مع النواب ويحدد سقوف المنافع المقدمة لهم بأن تكون ضمن قانون يحكمها لا ان تكون مرتبطة بأجندة وزير او مزاج غيره، وهذا وحده الذي سيحفظ استقلال وقوة مشرعينا ويحافظ على هيبتهم السياسية. 

التعليق