ياسر أبو هلالة

كيف يبدو العالم بلا كاسترو؟

تم نشره في الأحد 24 شباط / فبراير 2008. 03:00 صباحاً

يجب أن نكون خانعين تماما، فالثورات لا تجلب غير الويلات؛ للقائمين عليها وللشعوب التي تنخدع بها. انظروا إلى العجوز كاسترو كيف انتهى؟ اليوم سيريح العالم من شروره التي تبدأ بخطابات مملة تتواصل لساعات وتنتهي بسياسات خرقاء كفيلة بإعاقة التقدم على مستوى وطني إن لم يكن على مستوى أممي.

كنت محظوظا بأن زرت كوبا في السنة الأخيرة من حكم  فيدل كاسترو، حتى يكون جوابي عن سؤال رحيل كاسترو أكثر دقة. فالمعادون للثورات مهما كانت حججهم منطقية، يبدؤون بداية غير منطقية تفترض أن المجتمعات البشرية "غير بشرية". بمعنى أنها مكونة من أسواق وشركات وسلع يحكمها منطق الربح والخسارة. وهذا غير صحيح، فعلى مستوى فردي تماما كما على مستوى مجتمعي يمكن التفريط بالمكاسب والأرباح مقابل المشاعر والمبادئ.

ثارت الناس مع كاسترو لأنها كانت تحبه وتؤمن بشعاراته وثارت ضد الطاغية باتيتسا لأنها كانت تكرهه ولا تؤمن بشعاراته. ربما بحسابات الربح والخسارة كان الأفضل بقاء حكم الطاغية، والتحالف مع الجار القوي الغني: الولايات المتحدة الأميركية. وربما بحسابات الربح والخسارة أيضا تتحول كوبا إلى جمهورية موز ينهشها الجوع والخوف معطوفا عليها تبعية مذلة للطغاة وأسيادهم الأميركيين.

نشأ الثائر في بيئة غنية تملك مزارع السيجار، لكنه اختار أن يكون في معسكر الفقراء والفلاحين، وبدأ بتأميم مزارع أهله ولم يحول البلاد إلى مزرعة لهم. وفي حكمه الدكتاتوري بنى دولة متعلمة تشكل بحسب تقارير التنمية البشرية مرتبة أفضل من الولايات المتحدة الأميركية نفسها، وفي الوقت الذي يستورد الأميركيون الأطباء من مختلف العالم تصدر كوبا الأطباء.

هل يحكم له في نصف قرن بهذه الطريقة؟ لا، يحتاج إلى قراءات أخرى. فالثائر ضد الطغيان تحول إلى طاغية من نوع آخر. صحيح أنه واجه محاولات انقلابية تجلت في ما شهده خليج الخنازير وحملات إرهابية كان أفظعها ما اقترفه كارليس من تفجير طائرات مدنية. لكنه وخصوصا بعد أن انهار الاتحاد السوفيتي واستقرت له الأمور من بعد، كان قادرا على صياغة انفتاح سياسي وثقافي يكسر احتكار الحزب الواحد للسلطة.

وصل السلطة بطريقة ملحمية وغادرها بهدوء. وهو ما يغري بتذكر رفيقه ووزيره أرنستو تشيه غيفارا، ذلك الثائر الذي لم يطق قيود السلطة وواصل ثورته وانتهى قتيلا طريدا على يد عملاء المخابرات الأميركية في بوليفيا. والسؤال: لو لم يقتل غيفارا هل كان سيبقى بريقه إلى اللحظة وهاجا؟ بالتأكيد لا. سيكون صنو راؤول كاسترو وسينضم في أحسن الأحوال إلى الفريق الثلاثي الذي سيدير الدولة من بعد كاسترو.

انها سنة الحياة التي لا تتخلف في الدعوة والثورة والدولة. فليس كل الدعاة قادرين على تحويل دعوتهم إلى ثورة وليس كل الثوار قادرين على تحويل ثورتهم إلى دولة. والدولة في النهاية هي مقبرة الثورة. واستمرار الثوار في إطلاق لحاهم ولبس الكاكي لا يعني أن الثورة مستمرة بقدر ما يشير إلى نوياهم الحسنة في ضخ الحياة بالثورة الذاوية.

لا يبدو العالم موحشا بلا كاسترو، فهو لم يعد الثائر الذي تنتظر الجماهير خطاباته، هو رئيس دولة متقاعد. مثله كثيرون، وسيجد بوش الابن أقرب اللاحقين به. ولا يبدو العالم خاليا من الثوار، فالأوضاع الفاسدة هي التي تدفع الناس للثورة، هذه طبيعة البشر وهم لا يحتاجون إلى اتحاد سوفيتي حتى يتحركوا. وما نسيه كثيرون أن جيفارا وكاسترو تحولا للماركسية بعد الثورة لبناء الدولة، وعندما ثارا لم يكن لهما علاقة بالاتحاد السوفيتي أو الماركسية.

abuhilala@yahoo.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شهادة حق (مواطن له ضمير)

    الأحد 24 شباط / فبراير 2008.
    استاذي الكبير بمواقفه ياسر ابو هلالة ...لا ادري لماذا انت الكاتب المقصود دائما بالتهجم عليك ...مرده انك دائما تذكر الحقيقة وما يختلج ضميرك الحي وبشجاعة في زمن مات ضمير معظم الكتاب واصبحت الكتابة صنعة وتجارة وبيع مواقف ..صدقني اني احبك واحترم شجاعتك ...
  • »القافله تسير... (ابو البراء)

    الأحد 24 شباط / فبراير 2008.
    الخنوع لايولد الا مزيد من الذل**وكأني بالكاتب يشابه بين حقبة فيدل كاسترو بكوبا،،وبين زمن صدام حسين بالعراق (وماالأنظمه العربيه عنهم ببعيد) !..
  • »المباشرة (ياسر أبو هلالة)

    الأحد 24 شباط / فبراير 2008.
    أحمد ، طالما يوجد أسوأ مقال يوجد أحسن مقال ، طبعا معايير الناس مختلفة وما تراه الأسوأ يراه غيرك الأفضل والعكس صحيح
    حمد ، يحب أن تميز بين " المباشرة " وهي أضعف أشكال الكتابة ، وبين الكتابة التي تستدعي إعمال العقل والتفكير . قطعا أنا لا أدعو للخنوع إقرأ المقال ثانية
  • »خانعين ليش يا استاذ ياسر (د.حمد القاضي)

    الأحد 24 شباط / فبراير 2008.
    الاستاذ ياسر يحثنا بـ " يجب" على الخنوع ثم يؤيد هذه الفكرة بان من يرفع رأسه فالخيبة والفقر والذل مصيره. غريب جدا ، اول مرة ادرك ان الاستاذ ياسر يؤمن بالخنوع. مقال مشوش فعلا.
  • »مقال (أحمد)

    الأحد 24 شباط / فبراير 2008.
    أنا في الغالب من المعجبين بالكاتب وانتظر مقالاته وأتابعها بشغف. هذا اسوأ مقال رأيته لياسر ابو هلالة!!