حق الإنسان أن يكون مفهوماً

تم نشره في الثلاثاء 12 شباط / فبراير 2008. 02:00 صباحاً

كل منظومة الحقوق الإنسانية تستند إلى ركنين، الأول أن الحق يمثل ميزة لمن يتمتع به، والثاني أنه واجب على الآخرين. فمن أهم أركان منظومات العلاقات البشرية هي أنها صاغت فكرة الميزات المعترف بها من الجميع تجاه بعضهم البعض ضمن مفهوم الحق.

الحق يمثل اعترافا عاماً وإقراراً بأن يتمتع الكل بميزاته. وفكرة الحق تطورت من منظور الاعتراف إلى منظور الحماية. فكل الحقوق التي تعترف بها البشرية لأفرادها هناك إقرار عام لها. هذا الإقرار هو الذي مكن من استعمال القوة لحماية فرص الأفراد أن يتمتعوا بالمزايا التي يتمتعون بها بموجب حقوقهم المقرة. وحق الإنسان أن يكون مفهوماً هو فرصة لتأسيس قاعدة إنسانية لمحاربة صناعة الجهل في العالم المعاصر.

لتأسيس وتفعيل حق الإنسان أن يكون مفهوماً نحتاج للعمل ضمن مستويين، مستوى تثبيت هذا الحق كميزة للأفراد والجماعات في مواجهة الإنكار، أو التجاهل السائدين، والمستوى الثاني هو التأسيس المنهجي والتأطير بقواعد ناظمة تعرف الحق بمضامينه الإجرائية، وتمكن من حمايته. فالمستوى الثاني يتركز على التعريف الإجرائي له، كميزة تتطلب الحماية. أما كيفيات الحماية فهي تتطور لاعتراض كل فرص الاعتداء على هذا الحق. 

وعلى سبيل التشبيه، هناك حق الحياة الذي تقره كل القوانين. أو حق الحرية. هذه ميزة للأفراد تضمنها القوانين، وتعرفها إجرائياً، وتعرف أيضاً العديد من أشكال التعدي على هذا الحق. أما كيف يتم منع الذين لديهم مصالح في التعدي على حق البعض في الحياة فهذه مسألة مهنية تنتمي إلى سياق أمني وإجرائي. كما أن حق الحرية باعتباره ميزة لكل البشر، واجه إنكاراً وتعدياً عبر آلاف السنين، وتمكنت البشرية أخيراً من تحقيق إجماع بالاعتراف بهذا الحق. هذا الاعتراف مكن الأفراد والجماعات من التمتع بمزايا الحرية، وألزمهم بمحاربة كل تعد عليها.

حق الإنسان أن يكون مفهوماً، يمثل الآن ضرورة من ضرورات العلاقة بين الشعوب والثقافات. صحيح أن الله خلق البشر (شعوباً وقبائل ليتعارفوا)، ولكن هذه المعرفة كانت وما تزال تخضع للتشويه. ومن الواجب مواجهة هذا التشويه.

 التشويه في معرفة الثقافات والشعوب لبعضها، قد يفسر بأنه كان (في الفترة الماضية) نتيجة نقص المعرفة، وعدم ظهور ضرورة حاسمة لتشكيل هذه المعرفة. حيث بقي جهد التعرف على الآخرين ترفاً لا يقدر عليه إلا القلة من نخب معظم الشعوب والثقافات. والكثير من هؤلاء استسلم لغواية الجهل، وللمصالح التي تنطوي عليها صناعة الجهل.

بعيداً عن استعراض التاريخ الذي بدأت فيه ضرورة التعرف على ثقافات الآخرين، ولكن العالم المعاصر جعل من هذه المعرفة ضرورة حاسمة لاستمرار التقدم الإنساني، ولتحقيق وعي مشترك بوحدة مصير البشرية. فهذا الوعي أصبح ضرورة للحفاظ على النوع البشري، وعلى قابليات الحياة والتقدم. وهذا لا يتم فقط بسبب ضغط المتطلب الأمني العالمي، ولكن أيضاً بضغط متطلبات التجارة الحرة، والتبادلات الاقتصادية، وأخيراً الضغوط اليومية التي تفرضها البيئة على مستقبل البشرية. ولكن لنتذكر بأنه بمقدار ما تتشكل مصالح بشرية لتأسيس فهم موضوعي بين البشر هناك مصالح مرتبطة بصناعة الجهل وتعميق الحواجز بين الشعوب والثقافات. 

العرب والمسلمون ربما، يكونون من أوائل من عرف آداب الرحلات والتعرف بالشعوب والثقافات الأخرى. ولكنهم بالتأكيد علاقتهم المعرفية بالعالم المعاصر يشوبها الكثير من الجهل. فهم من جهة موضوع لخطاب معرفي احترف تشويه الكثير من صورتهم، وهم من جهة أخرى لم يبذلوا عناية تذكر لفهم الآخر. فأهمل العالم النظر إلى حقيقتهم. لنعترف أنه بمقدار ما يمكن للعرب أن يلوموا الآخرين على صورتهم المشوهة في الغرب، فإنهم ملومون على نقص معرفتهم بالعالم ومنه الغرب.

وإذا أردنا أن نكون أكثر جرأة لتحمل المسؤولية نقول أن الصورة المشوهة عن العرب في الغرب والعالم، سببها الرئيسي هو تقصير العرب في فهم العالم. فالعرب الذين حرروا أنفسهم من واجب فهم الآخرين، لا يجوز لهم أن يجلسوا ويطالبوا العالم بأن يبذل عنايته لفهمهم.

الحقيقة الحاسمة هنا أن الحق بأن يكون الإنسان مفهوماً هو من جهة ميزة وهو من جهة أخرى واجب. العرب قصروا في الواجبات ويريدون الآن فقط التمتع بالمزايا. العرب يلومون الغرب لأن المؤسسات الفكرية الغربية والإعلام الغربي يقدمان صورة نمطية عن العرب، وفي كل العالم العربي لا يوجد مركز علمي واحد يعبر عن محاولة عربية جادة لفهم الغرب. وتضج الثقافة العربية بكل أشكال الجهل والتنميط للغرب.

حق الإنسان أن يكون مفهوماً، هي مبادرة عربية خالصة. وهي دعوة عربية في بواكيرها لتتحول إلى منظور إنساني عالمي يوحد موقف البشرية ضد صناعة الجهل. ويمهد في المستقبل لتطوير تعريف إجرائي لهذا الحق يعترض صناعة الجهل ويواجهها بمنظور إنساني موحد.

فالمبادرة ليست من أجل تقديم خطاب يشرح الوجه الإيجابي للثقافة العربية، ولكن هي من أجل تأسيس قنوات تفاعل واتصال تمكن الآلاف من العرب تقديم الوجه المشرق للثقافة العربية والإسلامية للغرب، كما أنها تلزمهم على بذل الجهد والعناية لفهم الغرب بشكل موضوعي.

فالمبادرة حال نجاحها ستنتج منصة عالمية تمكن كل الثقافات من تقديم نفسها بشكل لائق، وتحرر كل الشعوب من صناعة الجهل.

 هذه المبادرة العربية ضرورية للتأسيس لموقف إيجابي عربي من قضايا البشرية. فالعرب ليسوا مجرد ضحايا إنهم وبالضرورة شركاء في صناعة مستقبل البشرية. وبوابة الشراكة هي التقدم بمبادرات تطور علاقة الشعوب العربية والنخب العربية ببقية مجتمعات البشرية.  

التعليق