ما قبل "الثلجة" وما بعدها: محطات إعلامية لافتة

تم نشره في الاثنين 4 شباط / فبراير 2008. 02:00 صباحاً

كان الاسبوع الماضي هادئاً نسبياً على الصعيد الاخباري, ولولا وفاة المرحوم الدكتور جورج حبش وقصة غزة ومعبر رفح لكان هادئاً تماماً, لكن على الصعيد الاعلامي كان الأسبوع حافلاً بمجموعة قضايا لا بد من التوقف عندها والحديث عنها.

حادثة الاعتداء على زميلنا جميل النمري مرت بسلام, أي بأقل الخسائر, ونحمد الله عز وجل على ذلك, مع أننا لم نتمكن من إلقاء القبض على الجناة المأجورين بعد ولم نمسك بطرف الخيط الذي قد يوصلنا الى ماهية الجناة الحقيقيين.

 تطمئننا ان الوضع تحت السيطرة المكالمةُ التي أجراها جلالة الملك مع الزميل جميل أول من أمس وتأكيدات القائد أن قوات الامن لن يهدأ لها بال حتى تستطيع أن تقفل الملف بأكمله وذلك بالتوصل الى حقيقة ما حدث بصرف النظر عن الابعاد والاعماق التي قد تأخذنا اليها التحقيقات الامنية, ونطمئن كذلك لأن الاردن كان دائما بلدا آمنا لا مكان فيه لمثل تلك الممارسات التي يستطيع من خلالها بعضهم ان يتعرض للكتّاب والصحافيين من دون ردع او محاسبة.

حدث وان تعرض الزميل الكاتب ناهض حتر الى اعتداء كاد ان يودي بحياته من دون ان نتمكن من كشف هوية الفاعل "او الفاعلين"، ومن قبلها أحرقت سيارة الزميل أسامة الراميني في ظروف ماتزال غامضة حتى الآن.

غير ان الحقيقة الماثلة تبقى هي أن المجتمع الاردني ليس له صفة العدوانية والاجرام, سواء أكان منظما أم لا, في التعامل مع اهل الاعلام والصحافة وفي قضايا الفكر والرأي... والدليل على ذلك ان الناس والدولة هبت لنصرة زميلنا جميل الذي تعامل بدوره مع حادثة الاعتداء بكل رباطة جأش وتماسك وثقة بأن الفاعل سيجد طريقه الى العدالة.

للأسف حادثة الاعتداء هذه تزامنت مع محاولتين لقمع حرية التعبير قامت بهما جهات متدينة أو أصولية وطاولت رسوما كاريكاتورية لزميلنا الفنان عماد حجاج. ومن اللافت ان احدى هاتين الجهتين كانت مسلمة بينما الاخرى مسيحية.

لا اريد الخوض مرة اخرى في الحديث عن هاتين الواقعتين فلقد عالجناهما كجريدة على الصفحات ذات الصلة وفي الاطار المناسب, ومنكم من تابع ارهاصاتهما بكل اهتمام.

ما اريد قوله على اية حال انه في الوقت الذي نحاول فيه كصحيفة وكصحافيين ان نرفع سقف حرية الصحافة وندافع عن حق كل الناس في قول وكتابة آرائهم كما هي, من دون خوف او رقابة, نجد هناك من يحاول ان يجرّد الآخرين من حق التعبير عن انفسهم حتى من خلال الرسم التعبيري والايحاء الفني او الجمالي.

يذكرني الزميل حجاج بسني التسعينيات عندما عملنا معاً في المؤسسة الصحفية الاردنية  ويقول "لا اذكر حادثة واحدة تعرضت من خلالها الى مثل ما ارى اليوم من نقد يرقى إلى لغة التكفير وهدر الدم" لمجرد ذكر كلمة "السماء" في كاريكاتير او رسم صليب رمزي يعذب عليه الاسرائيليون الفلسطينيين في كاريكاتير آخر.

لا يدري عماد ماذا دها الناس, خصوصاً اولئك الذين يشقّون لأن يجدوا متنفساً للتعبير عن آرائهم وفي الوقت ذاته يجدون من الطبيعي, بل من الواجب, ان يحاولوا قمع تلك الآراء والتعابير التي لا تتناسب مع معتقداتهم او توجهاتهم.

قد نعود يوماً للحديث عن كيف ان الرسوم الدانماركية المسيئة للرسول عليه السلام لربما كشفت او زادت حساسيات دينية تجاه الرسم الكاريكاتيري لم تكن موجودة من قبل, او كيف ان معارضة استعمال الصليب في الربط بين تجبّر الاسرائيليين ومكابدة الفلسطينيين كان لها جذور في احتجاجات اوروبية او اميركية قديمة أو يهودية لاحقة باستعمال الجرائد المصرية خصوصاً لرسومات "لاسامية" على صفحاتها. وقد نعود ايضاً لمناقشة كيف ساهم المد الاصولي او نشر التعصب المذهبي, بدعم مالي ومادي سخي لأدوات اعلامية عربية وأخرى, بفتح محاكمات جديدة لمجريات ومسائل كانت تعتبر من مسلمات الحياة العصرية ومكتسبات الحياة المدنية للإنسان العربي لتبدو وكأنها محرمات يجب على الناس تركها فوراً.

لكن, ولغايات التوضيح فقط, اريد ان اؤكد ان اشكاليات حرية التعبير او سوء فهم مرامي الفنانين او الصحافيين لا تتوقف عند إخوتنا المتدينين أو الأصوليين, وانما تتخطاها لتشمل رفاقنا القوميين والوطنيين ولربما ايضاً الكثيرين ممن مارسوا السياسة والاعلام عملاً او قولاً او فعلاً.

أسوق اليكم في هذا المقام اعتراض كاتب زميل على نعتي "جون غلوب" أو "غلوب باشا" بـ"المرحوم" أو بـ"ابو فارس" في مقال كتبته قبل اسبوعين, وما تبع الاعتراض من تعليقات وآراء على أحد المواقع الالكترونية.

فما "أثار وأوجع قلب" الزميل الكاتب، حسب تعبيره، ان "السيد جورج حين ذكر ذلك القبيح, كلوب (أو غلوب), وصفه بأنه المرحوم جون غلوب باشا وبين قوسين كناه بأبي فارس".

"يا الله"، والحديث هنا بقية ما كتبه الزميل على مدونته في الموقع، "كم تألمت وجلست اتساءل كيف لرجل ما ومن اي امة كانت ان يترحم على الذين استعمروه وان يتودد بالكتابة عنهم.. كيف لقلم ما ان يكتب ذات يوم عن المرحوم شارون, ويصفه بتودد, ابو.. هل من الممكن ان نرى قلماً ما وذات يوم يكتب عن المرحوم بريمر وان يتودد اليه بنعته ابو... فقط.. وحدهم العبيد الجائعون, هم وحدهم, الذين لهم اولياء للنعمة, اما نحن العرب الاحرار, فلا, ليس لنا اولياء نعمة.. فقط وحدهم, ربما دون غيرهم, من يصنعون لقاتلهم تمثالاً من جماجمهم".

ما اردت أن اقوله من وراء تضميني لهذا الاقتباس إن لا مجال أمام الكاتب، أي كاتب، للهروب من اي شيء يقوله او يفعله, وان ما يكتب ملك للجميع لكي يعلقوا عليه او ينتقدوه, حتى ولو كانوا ينتمون الى المدرسة القومية او الدينية او العلمانية ذاتها التي ينتمي لها النقاد والمعلقون، حيث يذهب بعضهم في تعليقاتهم الى حدود ابعد من تلك التي يبتغون او التي هم بحاجة لوصولها فعلاً من اجل ايصال رسائلهم أو آرائهم.

 ******

لا مجال للمقارنة او المقاربة مع اي شيء ورد هنا, ولكنها قضية اعلامية اخرى ومهمة تلك التي اثارها دولة الاستاذ طاهر المصري في الرد الذي نشرناه له يوم "الثلجة الكبرى"، الاربعاء الماضي، على الصفحة الاخيرة.

تركنا الرد يتحدث عن نفسه, ونشرناه كما ورد, ولا مجال هنا لقول غير شيء واحد تعقيباً كل على ما ذكر دولته، في معرض تعليقه على عنوان الخبر المختصر (على الصفحة الأولى) الذي اقتبسناه من المقابلة الكبرى معه التي كنا نشرناها يوم السبت الذي سبق. نقصد بذلك الشيء أن لدولته كل الحق في التفكير والتعبير كما يشاء حول الطريقة والاسلوب, بما في ذلك اختيار العناوين والاقتباسات, التي تعاملت فيها "الغد" مع المقابلة, كما أن لهذه الصحيفة كل الحق في استبعاد نظرية المؤامرة او الوقوع في المحظور في التعامل مع نص المقابلة او طريقة عرضها.

أنا في موقع يسمح لي بالقول وبالتأكيد إن لا هدف لهذه الصحيفة في وضع عناوين في غير سياقها الحقيقي أو في غير مراميها أو في استقصاد احد, وبالذات دولة الاستاذ طاهر المصري, الذي نكنّ له كل احترام وتقدير ونشكر له قبوله لدعوتنا في اجراء المقابلة, والتي عرف الجميع ان مضامينها كانت صعبة والرد على الاسئلة وقول كل الحقيقة إبان تلك الظروف الصعبة كان يتطلب ارادة صلبة وتمسكاً بالرأي وطروحات واضحة وخبرة استثنائية في علوم الاقتصاد والسياسة، عهدناها دائماً في دولة الاستاذ المصري، وأردنا لـ"الغد" ان تشارك المواطن بما كان يود قوله وقاله فعلا حول قضية تحرير الاسعار والقضايا الاخرى المهمة على اجندة الوطن والحكومة.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »من الاولى (فاعل خير)

    الاثنين 4 شباط / فبراير 2008.
    سيدي اريد ان اقول لك انه عندما تتوقف الاقلام التي تصفق بالمجان وقتها يمكن ان نتحدث عن مطالباتكم بحرية الصحافة ولا تعليق.
  • »إلى الاستاذ جورج (سامي عوده)

    الاثنين 4 شباط / فبراير 2008.
    بصراحة كلامك يوجد فيه ماهو صحيح من حيث الجرأة في كشف الفساد المستشري والذي يهاجم من يكشفه ويتحدث عنه وهو امر لا يخالفك فيه إثنان ولا ينتطح فيه عنزان كما تقول العرب و لكن حرية التعبير الممتدة حتى هذه المساحة هي كبيرة جدا في بحر المعلومات المتناقلة و السهل الوصول إليها و لكن عند الحديث عن الدين و الشرع فهنا على الشخص السوي أن يضع مائة حاجز و حد لان الدين بإجماله وتفصيا له ليس ساحة لرسوم كاريكاتورية او تعليقات على الشبكة العنكبوتية من حيث الاستهزاء بمفاهيم اصيلة ومتعمقة في وجدان الشخص المسلم فهنا لا يسمح باي شكل من الحرية الشخصية او التعبيرية كما تريد تسميتها لسبب بسيط جدا يفهمه القاصي و الداني ان الدين هو الذي علمنا ان نحذر من الفاجر لفجره و الكاذب لكذبه و لكن لما يكون هناك مخالفات و اغلاط من بعض من يتصدرون الإفتاء فهنا الحديث معهم ليس بالعلن من اول مرة أو المراد الفضيحة و إنما النصحية و ليس من خلال توجيه الرسومات بشكل عام إلى المؤسسة الدينية ككل ، نريد النصح فلنتوجه إلى الشخص بذاته و ليس إلى كل الامة و معتقداتها و مفاهيمها، بالنسبة لحجاج انا نصحته اكثر من مرة بترك التلاعب بامور الدين من قريب او بعيد بخصوص الدين و الشعائر الدينية لأن هذا ليس تخصصه وليس له ذلك بأي شكل من الأشكال خاصة أنه اكثر من مرة يدخل امور الشرع في رسومات لا علاقة للشرع بها ولا علاقة لها بالشرع، فعند إذن لا ياتي و يتسال لماذا ظهر كذا و لم يكن قد ظهر هذا من قبل لأن رسوماته و استهزائته لم تكن ظاهرة بشكل يتعلق بالدين من قريب أو من بعيد في فترة التسعينات و لكن لما رفع سقف الحرية كما تسميه في الفترة الحالية اصبح كل من هب و دب يتدخل فيما لا يعنيه تحت مسمى حرية التعبير والحرية الشخصية لو كنت مكان حجاج لراجعت نفسي مائة مرة في تصرفاتي و سوء ادبي مع الاخرين و اين النقاط التي أغفلتها و اتراجع عنها ، و الله الهادي
  • »حرية (زيدوو)

    الاثنين 4 شباط / فبراير 2008.
    بدنا حرية بالتعبير, عبرواعن الوضع بصراحة.. حكيت بصراحة!
  • »حمى الكتابة (عمر شاهين)

    الاثنين 4 شباط / فبراير 2008.
    قبل ايام نشرت خبرا على احد المواقع الالكترونية عن زيارة لاحد النواب ولم تعجبه التفاصيل فتلقيت شتما وخشيت ان اتعرض لاعتداء الكل يريد ان نمدحه فقط وشعبنا لم يعتد على النقد البناء .
    الكاتب ليس مداحا انما ناقدا وناقلا وان لم نحمى سنصبح عرضة يجب ان يظل كما قال سيدنا الاعتداء على الصحفي والكاتب خطا احمر شفافية حمر حتى نتمكن من الكتابة