محمد أبو رمان

القاعدة وتمكين المرأة!

تم نشره في الأحد 3 شباط / فبراير 2008. 03:00 صباحاً

لسنا بحاجة إلى مقدمات خطابية أو إنشائية نكرر ونجتر فيها الخطاب العربي المعتاد في "جلد الذات"، لكن ربما الكلمات تحدّ – ولو قليلاً- من الألم الذي يعتصرنا في مواجهة واقعنا، بل وعجزنا إلاّ أنّ نكون جزءاً من هذا الواقع المرير. وإذا كانت أكثر الحكومات العربية هي أساس البلاء والابتلاء، وتجد بغيتها في هذا الواقع الفاسد الذي يُسهّل فسادها، وإذا كان هاجسها الرئيس هو البقاء والاستمرار، ولو على "رفات الشعب"، ولا تعدو سياساتها إلاّ عملية "تحديث للاستبداد"، على حد تعبير الباحث الأميركي ستيفن هايدمان، فإنّ البلاء الأكبر والمرض الأخطر أن تكون هذه الحكومات، على جميع علاّتها، التي تسوّد مجلّدات من الورق، هي أقلّ بلاء وأفضل حالاً من الخيارات البديلة المطروحة علينا (الآن.. هنا) في الشرق المتوسط.

"القاعدة" أحد العناوين الرئيسة في المشهد العربي اليوم، تُمثل خطّاً فكرياً وسياسياً متصاعداً، يعكس حالة من المزاج السياسي العام، ناجمة عن هيمنة الخارج وفشل الداخل، لكنّها – أي القاعدة- تشكل في الوقت نفسه أحد تجليّات البؤس الاجتماعي العربي، سواء ما تنتجه سياسات النظم والحكومات من تشوهات أخلاقية وثقافية أو ما ينتجه عجز النخب المثقفة ومحدودية دورها أو استقالتها من مسؤولياتها تاركة الفراغ لأنصاف المتعلمين والجهلة يسيحون في ساحات الانترنت، فيستبحيون عقول الشباب المغرر بهم ويودون بهم إلى المهالك بعنوان "طريق النجاة أو الخلاص".

تتمثّل آخر إنجازات القاعدة بإيجاد استراتيجية تنموية جديدة وفاعلة سواء بتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة أو تمكين المرأة في المجتمعات العربية. فحوى هذه الاستراتيجية أنّ الفئات الضعيفة (أو المستضعفة) بمثابة عبء كبير على "مشروع المقاومة والتحرر"، لكن بالإمكان تحويل هذه الفئات إلى قوة حقيقية في سبيل مقاومة "الاحتلال الصليبي" وأعوانه من "الحكومات المرتدة" والاستفادة من هذه "الطاقات المهدرة" وذلك بصناعة "انتحاريين" يفجّرون أنفسهم، حتى وإن كان ذلك في سوق في بغداد أو مخفر شرطة في الجزائر أو فندق في عمان. فالعبرة ليست بتلك الأرواح التي تُزهق جوراً وظلماً إنّما بالمعركة الإعلامية والسياسية التي تشتعل وراءها، وسيُبعث الجميع على "نيّاتهم"، وفقاً لمن سوّغوا نظرية "التترس"!

أعتقد أنّ من ابتكر وساهم في صوغ الاستراتيجية الجديدة للقاعدة (تأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة وتمكين المرأة) عدّد لهم فوائدها وإيجابياتها، إذ تتمثل أوّلاً في تحويل مصادر الضعف إلى مصادر قوة وتدمير تتماهى مع الخط "القاعدي" الجديد (الانتحار، التدمير، القتل..)، فما دام الأمر لا يتطلب أكثر من الوصول إلى تجمع عام وتفجير النفس (وربما عن بعد!) وقتل أكبر عدد ممكن من الحضور، فلماذا تخسر القاعدة شباباً مدرّبين مؤهلين لعمليات نوعية، إذا كان بالإمكان تنفيذها من خلال الفئات "المستضعفة!". ثانياً تُسهّل هذه الاستراتيجية التخلص من عبء بعض "المعوّقين" الذين ربما تؤدي إصابتهم أثناء القتال والعمليات إلى شلّ قدرتهم، فيكون الحل بتأمين طريق سريعة لهم إلى "الجنة!". أخيراً فإنّ هذه الاستراتيجية تُوفِّر للقاعدة موارد بشرية جديدة كفيلة باستمرارها وحيويتها.

ولأنّ عالم الانترنت يمنح فرصة كبيرة لأعضاء القاعدة وأنصارها وتبادل الخبرات والتجارب فإنّ الاستراتيجية الجديدة طارت في الآفاق، وتمّ العمل بها في عدة ساحات بين المغرب والعراق! أحد النماذج الأوّلية والاختبارات الحقيقية لهذه الاستراتيجية تمثّلت في تفجير مبنى أمني في ولاية بومرداس في الجزائر، فالمنفّذ معوّق بنسبة 70%، إذ كان موحون كمال (30 عاماً) قد أصيب في اشتباكات مع الجيش الجزائري سابقاً، واقتنعت قيادته بضرورة التخلص منه "كونه يعيق حركة ناشطي التنظيم، خصوصاً بعد تزايد الضغوط الأمنية والعسكرية"، وفقاً لتقرير الحياة اللندنية.

الحال نفسها تكررت مؤخّراً، لكن في العراق، إذ تؤكّد مصادر أمنية أنّ امرأتين "مريضتين عقلياً" وراء تنفيذ تفجيري سوق الغزل وسوق آخر في بغداد، يوم الجمعة المنصرم، وهما التفجيران اللذان أدّيا إلى مقتل قرابة ستين شخصاً ومائة جريح. ولعلّ أغرب ما في القصة أنّ التفجير حدث بطريقة "التحكم عن بعد". أي أن الاحتمال الأغلب أنّ هاتين الامرأتين لم تكونا راغبتين في تنفيذ العملية أو أن هنالك عدم ثقة بقدرتهما على أداء هذه المهمة.

ولا يبعد نموذج ساجدة الريشاوي، التي شاركت في تفجيرات عمان نوفمبر 2005، عن النماذج السابقة، وهنالك حالات أخرى تؤشر على الاستراتيجية الجديدة.

لعلّ القاعدة (بذلك) تُقدّم إبداعاً جديداً في خيارات المواجهة مع "الولايات المتحدة وأعوانها"، أو أنّها ترسم خطّاَ آخر في مسار التنمية مقابل فشل الحكومات العربية في هذا المجال.

ألسنا مجتمعات تنتحر، أو برسم الانتحار! 

m.aburumman@alghad.jo 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تعليق على تعليق السيد محمد البطاينة (سراب العارف)

    الأحد 3 شباط / فبراير 2008.
    أغلب الظنّ أنّ تعليقك ناجمٌ عن خلل في القراءة و خطأ في الرؤية إلى صنعة الكتابة و التعليق السياسيّ. الكتابة ليست "تبنّي مواقف"، و الكاتب يختلف ويفترق عن السياسيّ؛ فالأخير يصنع سياسات و يتولّى إجراءات، بينما الكاتب يعلّق و يتدبّر تلك السياسات و الإجراءات. و على هذا، فالكاتب، و هو هنا محمد أبو رمّان، ليس دونالد رمسفيلد، و لا هو جورج بوش.

    و حين يتقاطع رأي الكاتب مع رأي العدوّ؛ فهذا لا يعني أنّ الأوّل يتبنّى مواقف الثاني. و أحيلك هنا إلى قول شهير لأسامة بن لادن في هذا السياق؛ فهو قال، حين سُئل عن "تحالفه" مع الولايات المتحدّة في أثناء غزوّ أفغانستان، إنّ ما حدث لم يكن "تحالفاً"، بل كان ضرباً مِنْ تقاطع المصالح.

    و هذه شهادة حقّ ينبغي أنْ تُقال في الكاتب محمد أبو رمّان، الذي هو، في رأيي المتواضع، مِنْ أفضل المحلّلين السياسيّن الذي ظهروا قي العشر سنوات الأخيرة، ليس فقط في الأردن، و إنّما في منطقة الشرق الأوسط. و هذا كلّه، لا يعني أنّني أتفّق مع كلّ ما جاء في مقال السيّد أبو رمّان. و لعلّ نقطة الخلاف الرئيسيّة، ليس فقط في هذا المقال، و إنّما في جلّ مقالاته، هي تحميل الأمور أكثر ممّا تحتمل حين تقليب وجوه حادثة ما، و التنقيب في ثناياها.

    فهو (أي أبو رمّان) التقط جزئيّةً صغيرة، وصيّرها "ظاهرةً" أو "استراتيجيّةً". فالأخيرة، لا تستوي استراتيجيّةً إلّا إذا كانت بعيدة المدى و تكرّرت و أضحت مثالاً سائراً. و لا نحسَب أنّ التوسّل بالمعوّقين مرتيْن (في الجزائر و في حادثة العراق الأخيرة) يمكن أنْ نطلق عليه "استراتيجيّة" أو "ظاهرة".

    بيد أنّ هذا لا يلغي صحّة التحليل العامّ الذي جاء به أو فيه السيّد أبو رمّان، و لا سيّما حديثه عن مسألة "التتّرس". و هذه الحُجّة، ليست مِنْ مزاعم الكاتب، و إنّما ورَدَدتْ على لسان أبي مصعب الزرقاوي، الذي، بدوره، استقاها مِنْ فتوى قديمة لابن تيمية. و هي تقول إنّه لا جُناح على "المجاهدين" إذا قَتلوا، مِنْ طريق "الخطأ" ضحيايا أبرياء، تواجدوا عرَضاً أو مصادفةً في مكان الحادثة أو في أثناء تنفيذ "الغزوة".

    و لكنْ، ليس مهماّ، هنا، إنْ كان ما أتته القاعدةُ أخيراً يعدّ "تكتيكاً" أو استراتيجيّة. فالجليّ أنّ القاعدة بحدّ ذاتها غدت "مشروعاً استراتيجيّاً" في مجتمعات لم يبالغ الكاتبُ حين قال إنّها "تنتحر أو في رسم الانتحار".
  • »ثقافة الانتحار (يوسف ربابعة)

    الأحد 3 شباط / فبراير 2008.
    لم تعد القاعدة وحدها تتحمل قتل الناس وإلقائهم في أتون الموت تحت أي شعار بل صارت المشكلة ثقافة يتبناها المجتمع العربي بكل أطيافة وإن اختلفت أشكال التعبير وذلك لأسباب يطول شرحها ويحتاج إلى تحليل ربما لا يعجب الأنظمة العربية وحكوماتها التي باتت عبئاً على الإنسان وحياته وكما يقول فيلسوف الصين العظيم (لاوتسي): "عندما تزداد تكاليف الحياة يصبح الموت سهلاً". وهل هناك ما هو أصعب من تكاليف الحياة في عالم يفقد المعنى والهدف وتسلب منه أصغر حقوقه؟
  • »to answer Mr Batayneh (Khaled Salaymeh)

    الأحد 3 شباط / فبراير 2008.
    Akhe Abu Rumman

    I agree with you 100%. Al-Qaeda is a real threat to our lives.

    I have to say to Mr Batayneh who posted a comment to your article. Where did you see Mr. Abu Rumman defending America. He did not defend America. The subject is Al-Qaeda. Yes, he is attacking Al-Qaeda. Why are you discussing America now. The subject is Al-Qaeda and its new startegy. Focus now on Al-Qaeda. when we talk about America, we might all agree that its a terrible country. But now the subject is Al-Qaeda.
  • »يعني الامريكي محترم !!! (محمد البطاينة)

    الأحد 3 شباط / فبراير 2008.
    يا اخي صدعتنا بكلامك عن القاعدة ، وتتبني الموقف الامريكي من الفه الى ياءة ، كل الناس ضد القتل والتدمير وكل العقلاء ضد القاعدة ولكن ذلك لا يعني تبني الموقف الامريكي والتصريح الامريكي لانه ثبت ان الكذب هو ديدن الامريكان من رئيسهم وانت نازل، نتمنى ان تكون دراساتك عن الجماعات الاسلامية موضوعية وتستند الى اسس علميه وليس فقط من باب التهجم او تلميع لبعض المواقف .... وسلامتكم