حان الوقت لمراجعة للجميع

تم نشره في الأربعاء 30 كانون الثاني / يناير 2008. 02:00 صباحاً

عندما بلغ الضغط نقطة الانفجار تحرك اهل غزة وكسروا قيود أسرهم، ودمروا الحاجز الفولاذي الاسمنتي الذي يقسم المدينة العربية القديمة، والذي أيضاً يُحكم الحصار على قطاع غزة ومليون ونصف المليون من أهله. مشاهد الجدار المتهاوي، والاطفال الذين يتنقلون فوق ركامه لهوا وفرحاً، تذكر بسقوط جدار برلين، وتنبئ بسقوط جدار الفصل العنصري الذي اقامته اسرائيل للغايات الشريرة ذاتها، يوماً ما.

ما جرى خلال الاسبوعين الماضيين بالنسبة لغزة وضع القضية في مرتبة جديدة تجاوزت كل ما قبلها، ويتطلب ذلك مراجعة شاملة لكل ما قد تكون بالنسبة للقوى المتنفذة في المنطقة وخارجها مسائل مسلم بها.

أبدأ بتحليلٍ ورد الجمعة الماضية في صحيفة هآرتس الاسرائيلية جاء في عنوانه ان الحصار على غزة قد فشل. وقالت الصحيفة ان الوضع الامني والدبلوماسي الجديد الناجم عن فتح حدود غزة مع مصر لم ينفذ بعد الى عمق الضمير الاسرائيلي، وأضافت انه حان الوقت للبدء بتوجيه اسئلة حادة عن احداث هذا الاسبوع، وليس عما جرى في عام 2006 (مشيرة بذلك الى الحرب على حزب الله، وتقرير لجنة فينوغراد المنتظر حالياً). وبينما لم تعرف السلطات المصرية كيف تتعامل مع اندفاع عشرات الفلسطينيين الى اراضيها، قالت الصحيفة، ان حماس نجحت في انهاء الحصار من خلال خطة أعدت بإحكام، ولقيت تعاطفاً عالمياً، وأنست العالم بالتالي تساقط صواريخ القسام على سديروت، وأظهرت اسرائيل وكأنها تحصن نفسها في موقف تجاوزه الزمن. وخلصت الصحيفة للقول: ان سياسة حصار غزة قد انهارت وان حماس تزداد قوة عسكريا وسياسيا ودبلوماسياً.

نعم، لقد أنهى كسر طوق الحصار مرحلة هامة ضمن خطة لها علاقة بمجمل تسلسل احداث المنطقة، خطة هدفت بالدرجة الاولى الاطاحة بحماس. وكما فشلت حرب صيف عام 2006 على تدمير حزب الله في لبنان وارتكبت بالتالي السياسات واختلطت الاوراق، فهذه هي المحاولة الثالثة التي نشهد فشلها للاطاحة بحماس، وهي ستؤدي حتماً الى المزيد من الارتباك السياسي وخلط الاوراق، ولكن النتائج، بالاحرى العواقب، سوف تتكشف بشيء من البطء وعلى مدى الزمن القريب القادم.

من غير تهويل، لا صلة له بالواقع القاسي، يدعي انتصارا لحماس، يمكن الاكتفاء بالقول ان حماس سجلت مكاسب سياسية جديدة، ونجت للمرة الثالثة من السقوط.

في المرة الاولى؛ وبعد ان فازت بالانتخابات التشريعية في مطلع عام 2006 وجدت حماس نفسها امام جبهة دولية متماسكة تطالبها بتلبية شروط محددة والا تعرضت للمقاطعة الدبلوماسية والسياسية والمالية. كان على حماس ان تعلن اعترافها بحق اسرائيل بالوجود، من دون أن تسأل: أيّ اسرائيل هي تلك التي ستعترف حماس بحقها في الوجود؛ أهي اسرائيل بالجولان المضمومة قانونياً، وبالقدس، والمستوطنات، ام غير ذلك. وكان على الحماس ان تعلن نبذها للعنف دون ان يكون ذلك ضمن اطار ترتيب متبادل ينبئ بحل الصراع، وتتبع ذلك طبعاً مطالبة حماس بتغيير ميثاقها، كما وقع مع منظمة التحرير الفلسطينية من قبل. وكان على حماس ان تعلن قبولها بكل الاتفاقات السابقة مع منظمة التحرير على الرغم من ان اسرائيل لم تلتزم بكل ما ينفع الجانب الفلسطيني من تلك الاتفاقات، وعلى الرغم من ان بعض تلك الاتفاقات، كخارطة الطريق مثلاً، لم يكن لها نص واحد معروف ومتفق عليه، فهناك خارطة طريق معدلة من قبل اسرائيل ومختلفة على الصيغة الاصلية.

ولأن غاية هذه الشروط، التي تبنتها الرباعية، وتبناها "المجتمع الدولي" نزولاً عند رغبة اسرائيل، لم تكن الوصول الى حل مع حماس، بقدر ما كان التعجيز والوصول لإدانة وإحباط حماس، فلم تقبل اي من الصيغ التي لبت الشروط ضمنا مثل وثيقة الاسرى واتفاق مكة، وما انبثق عنه من تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية من فتح "مجموعة محمود عباس" وحماس.

ظلت حماس مستهدفة حتى بعد قيام حكومة الوحدة الوطنية، التي أغضبت اسرائيل، وقيل ان اولمرت عاتب عباس عتابا قاسيا لأنه قبل بالمصالحة مع حماس في لقاء لاحق بينهما. ونتيجة استمرار التناقضات بين فتح وحماس، ونتيجة استمرار تمرد بعض الاجهزة الامنية التابعة لفتح على الحكومة الشرعية، وعلى وزارة الداخلية، في ظل حكومة الوحدة الوطنية، ووقوع مواجهات، وتفاقم الحديث عن بناء قوة تابعة لفتح ولعباس من اجل معركة تطيح بحماس، وتدريب، وأسلحة، ومعدات، وأموال طائلة، نتيجة لذلك فقد وقعت المعركة، وفاجأت حماس الجميع مرة اخرى بكسب المعركة وانهيار قوات فتح بسرعة غير متوقعة...

كانت تلك المفاجأة الثانية بعد مفاجأة كسب الانتخابات التشريعية، نجت حماس من معركة عسكرية كان مقدرا لها ان تخسرها وتزول من الساحة السياسية الفلسطينية. وحتى لا يعترف لحماس بأنها ربحت معركة فقد وصمت بتدبر "انقلاب" على السلطة، وهي السلطة الشرعية المنتخبة ورئيسها هو رئيس حكومة وحدة وطنية تشكلت بالتوافق بين عباس وجماعته وحماس وقياداتها.

بعد "الانقلاب" وضعت غزة وأهلها والحكومة المعزولة فيها تحت حصار خانق صارم، مطبق عليها من كل الجهات الاسرائيلية والدولية والعربية والفلسطينية. وقدر ان اهل غزة سيثورون على حماس التي جرت عليهم البؤس والشقاء، والجوع والحصار وتوقف الرواتب والبطالة، بخاصة، وبالمقارنة، وهم يرقبون اهلهم في الضفة الغربية يرفلون بأثواب العز والرخاء والنعمة والأمن، وقد وعدتهم اسرائيل ووعدهم المجتمع الدولي بصب المال عليهم حتى يتعزز موقف عباس، ويتوجه له بالتالي كل الدعم والتأييد والامتنان والتقدير، مقابل التخلي عن حماس، ورفضها، ورفض ما جرته سياساتها على الناس من بؤس وفقر ومعاناة.

ولكن أهل غزّة صمدوا وتحملوا فوق الجوع والحرمان والحصار، تحمّلوا الغارات الجوية والقتل والإرهاب اليومي، وبدلا من ان يوجهوا غضبهم نحو حماس، وجهوه ضد الحصار، فدمروا جدران العزلة وكسروا القيود وفتحوا ابواب السجن الكبير، وتوجوا صبرهم بالنصر الذي تقف امامه اسرائيل عاجزة بالرغم من تفوقها العسكري والتقني الهائل وبالرغم من وقوف الدولة الاعظم والمجتمع الدولي من خلفها.

السؤال الآن ماذا تبقى. وما انعكاسات كل ذلك على مهزلة أنابوليس والمفاوضات العبثية المستمرة بين السلطة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل؟ والأهم، ما هي انعكاسات كل ذلك على الفشل الآخر، وربما الاخير الذي تمنى به سياسة اسرائيل واعتمادها المفرط على القوة.

عندما كانت الحدود مقفلة بإحكام، وعندما كانت جدران الفولاذ تطوق غزة، كانت اسرائيل تلوم مصر لعدم سيطرتها الكافية على الحدود. كانت اسرائيل قلقة من صمود غزة وحماس فيها، امام وطأة الحصار، ما بالك الآن والحدود مفتوحة على مصراعيها حتى من دون الضوابط المعتادة، وليس من المتوقع ان تعود الامور الى سابق عهدها. قد تضبط الحدود، كما يجب ان تكون، ولكنه من المستبعد ان تغلق ويعود الحصار.

لقد وضعت التطورات المتسارعة الاخيرة مصر في واجهة الاحداث، لم يكن من المعقول ان تتحمل القيادة المصرية مسؤولية مأساة غزة فسمحت للحدود ان تفتح ولمئات الآلاف ان يتنفسوا بعض الحرية وان يتزودوا بحاجاتهم الاساسية. وبعد محاولة محدودة يوم الجمعة الفائت لإعادة اغلاق الحدود وضبطها، عادت القيادة المصرية، وبحكمة تستحق كل التقدير، وعدلت عن قرارها وأعلنت ان الحدود ستظل مفتوحة. ولكن من غير المعقول ان لا يصار لترتيبات مرضية تحفظ لأهل غزة حقهم في الحرية والوصول الى لقمة عيشهم في مدن مصر المجاورة، وتحفظ في نفس الوقت للقانون المصري حقه وهيبته.

لهذه الاسباب، وربما لأهم منها ايضا، وجه الرئيس المصري الدعوة لحماس وللسلطة للتلاقي في مصر وإنهاء الخلاف، وقد لبت حركة حماس، لكن عباس، وكما هو متوقع، اعاد تكرار شروطه بأن على حماس ان تتخلى ان انقلابها اولا.

نأمل ان لا تضيع هذه الفرصة، هذا هو وقت المراجعة وإعادة النظر بكل دروس الماضي وتجاربه الفاشلة.

مندوب الأردن السابق في الأمم المتحدة

التعليق