محمد برهومة

تداعيات حادث معبر رفح

تم نشره في الأحد 27 كانون الثاني / يناير 2008. 02:00 صباحاً

من المرجح أن آلاف الفلسطينيين الذين اقتحموا قبل أيام معبر رفح مع مصر لم يكونوا يتوقعون السيناريو الذي جرت عليه الأمور. ومع أن هناك تحذيرات وتوقعات كثيرة سيقت سابقا مشيرة إلى أن ثمة كارثة إنسانية في غزة جراء الحصار والتجويع الإسرائيلي، فإن أياً من الأطراف المعنية بما جرى لم يكن يملك تصورا محددا وواضحا لما تم بالفعل من تدفق نحو نصف سكان قطاع غزة عبر معبر رفح نحو الحدود مع مصر لشراء حاجاتهم الغدائية والدوائية واليومية التي حرمتهم منها إسرائيل بحصارها للقطاع ومعاقبة أهله جماعيا.

 ولا يُدرى فيما إذا كان ما نشأ بعد ما حدث على معبر رفح مقدمات لتشكيل واقع أمني أو سياسي جديد، أو يحمل مفردات موضوعية جديدة. كما ليس واضحا، حتى اللحظة، فيما إذا كان ما جرى سيحرك شيئا في العلاقات الفلسطينية ـ الفلسطينية، بعد دعوة الرئيس المصري حسني مبارك قيادتي "فتح" و"حماس" للحوار في القاهرة تحت رعاية مصرية، وهو أمر وافقت عليه "حماس"، فيما الموقف الأولي للسلطة الفلسطينية يشترط تراجع  "حماس" عن انقلاب غزة. والصحيح أن حادث معبر رفح لم يكن حدثا عابرا أو ثانويا، بل حرّك الكثير من الملفات والقضايا الراكدة.

 مصر فوجئت بما جرى، لكنها تعاملت وتتعامل معه اضطراريا، وهي تتعاطى مع هذا الملف ضمن اعتبارات أمنية وسياسية أبرزها أولا، أنها لا تريد أن تبدو وكأنها طرف في الحصار المفروض على الفلسطينيين من قبل الاحتلال الإسرائيلي. ولا شك أن سماح مصر للفلسطينيين في غزة بالعبور إلى حدودها دافعه إنساني أساسا، إلا أنه يحقق مكاسب سياسية داخلية وخارجية للقيادة المصرية على المستوى الشعبي. ولو لم يفعل المصريون ما فعلوا لكانت ردة فعل الحشود الفلسطينية أكثر صعوبة، ولتزامنت مع ردود فعل شعبية على الجانب المصري أيضا.

ثانيا، رغم ما حدث، لا تريد مصر أن تكون حدودها مع غزة غير منضبطة أو أن تكون غزة سببا في مشاكل جدية للأمن المصري، كما أشار إلى ذلك الرئيس المصري. ومن هنا يأتي تأكيد مصر أن ما حدث ذو طابع استثنائي مؤقت.

ثالثا، ثمة ضغوط دولية وإسرائيلية على مصر (ارتباطها بمعاهدات دولية) تدفع مصر للتأكيد، كما ورد على لسان وزير خارجيتها أحمد أبو الغيط، بأن الحدود بين قطاع غزة ومصر "لن تظل مفتوحة إلى الأبد". في هذا السياق، يمكن فهم دعوة الرئيس مبارك حركتي "فتح" و"حماس" للحوار في مصر بحثا عن مخرج سياسي للأزمة.

 حادث معبر رفح أعاد تأكيد أهمية الدور العربي في القضية الفلسطينية، وأن الخيوط ما تزال متشابكة، وان القضية الفلسطينية مسألة أساسية في الأمن القومي العربي. كما أن الحادث برمزيته يمكن أن يتحوّل إلى مسألة سيادية تطاول حق الفلسطينيين في إدارة المعابر.

 إسرائيل والولايات المتحدة تدركان أن هناك مأزقا مصريا، وليس رغبة مصرية بعبور الفلسطينيين من خلال رفح، واستغلت إسرائيل المأزق المصري للحديث عن "الحل المصري" لمشكلة غزة، الأمر الذي رفضه الجانب المصري مجددا. ورغم أن الفاصل الجغرافي الكبير نسبيا في سيناء يقدّم بعض الارتياح لدى المصريين، من شأنه تطويق ما جرى والسيطرة على تداعياته الأخطر، فإن هناك قلقا في القاهرة، في ظل سيطرة "حماس" على غزة، من أن يؤدي أيّ انفلات للأمور من قيام ما يشبه الامتداد السياسي بين حركة "الإخوان المسلمين" في مصر وحركة "حماس" في غزة.

 عمليا، فشلت الخطة الإسرائيلية التي كانت تهدف إلى تحقيق نتائج سياسية وأمنية بقطع الكهرباء والوقود عن سكان غزة، وتشديد الحصار عليهم، ردا، كما تقول إسرائيل، على صواريخ القسام. فما جرى في الحقيقة، حتى الآن، أن "حماس" تحتل مركزا مؤثرا في سياق ما جرى، وتسعى لأن تكون عنصرا فاعلا في أي ترتيبات مستقبلية لملف المعابر وإدارتها.

من هنا لا يمكن لإسرائيل أن تعتبر ما جرى في غزة مجرد مشكلة على حدودها الجنوبية. ومن الصعب أن نفصل ردة الفعل الإسرائيلية، التي لم تُظهِر حتى الآن أن ما حدث في رفح هو فشل إسرائيلي أساسا، عن أجواء تقرير لجنة "فينوغراد" الإسرائيلية المرتقب بشأن الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، والذي تذهب أسوأ التقديرات إلى أنه سيفكك الحكومة الإسرائيلية، وربما يودي بالمصير السياسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت.

 مع ذلك، يجب ألا ننسى أنه لو تمت إدارة المعابر عبر الطرف الفلسطيني وتحت ضوابط أمنية إسرائيلية، فإن إسرائيل تملك أدوات الضغط الأساسية، لأنها ما تزال تسيطر على المواد الحيوية في القطاع كالوقود والكهرباء، فضلا عن المقدرة العسكرية التي تجعل مجرى الأمور - من دون سياقات سياسية - منغلقة الآفاق.

ومع أن حظوظ إجراء حوار بين "حماس" و"فتح" بترتيب مصري ما تزال محدودة في ظل إصرار السلطة الفلسطينية على ضرورة تخلي "حماس" عن انقلابها في غزة كشرط لقيام حوار بين الطرفين، فإن هذا الحوار إن تم، سيطرح تساؤلا حول مدى مقدرة القاهرة على إقناع "حماس" بوقف إطلاق الصواريخ من غزة. ومن غير ذلك، أي من غير إجراء الحوار الفلسطيني ووقف إطلاق الصواريخ، سيفقد حادث معبر رفح مجمل المعاني السياسية التي ولّدها وهيّأ الظروف لاجتراحها.

كاتب أردني مقيم في الإمارات

[email protected]

التعليق