"طالبان" والمدارس الدينية في باكستان

تم نشره في السبت 29 كانون الأول / ديسمبر 2007. 03:00 صباحاً

ذهبت بي نظير بوتو ضحية رفضها أن تأخذ علما بالتدهور الذي طرأ على الوضع الداخلي في بلدها. ذهبت ضحية رفضها ذلك، متغاضية عن خطورة ما شهدته باكستان في السنوات الأخيرة من تحولات على الصعيد الداخلي بدأ الأميركيون يتحدثون عنها في الأسابيع القليلة الماضية عبر وسائل الإعلام.

في أواخر تشرين الأول- أكتوبر الماضي - وعلى نحو يترافق مع عودة بي نظير إلى كراتشي من منفاها في دبي وتعرضها لمحاولة اغتيال أسفرت عن مقتل مائة وأربعة وثلاثين شخصا- نشرت مجلة "نيوزويك" تحقيقا عن باكستان، اختارت المجلة الأميركية أن يكون عنوان غلافها الآتي:"أن الأمة الأخطر في العالم ليست العراق...انها باكستان".

ما يطرحه اغتيال بي نظير بوتو يتجاوز بكثير شخصية المرأة المثقفة التي درست في هارفارد وأوكسفورد والتي لعبت دورا محوريا في الاطار الباكستاني الداخلي، خصوصا في مرحلة ما بعد اعدام والدها في العام1979. فما هو على المحك الآن ومنذ أشهر عدة مصير باكستان، حيث الأجهزة الأمنية التابعة للدولة تعمل لحسابها الخاص. كيف يمكن للأجهزة الأمنية لدولة ما أن تفشل في حماية شخصية وطنية وهي على علم تام بأن هذه الشخصية مهددة؟ ألا يعني ذلك أن باكستان لم تعد دولة قابلة للحياة بعدما صارت الأجهزة الأمنية فيها دولة داخل الدولة، وصار ولاؤها لجهات لا تؤمن بالدولة ولا بالخط السياسي الذي تتبعه؟

تولت بي نظير موقع رئيس الوزراء في العام 1988، ولم تكن تجاوزت وقتذاك الخامسة والثلاثين من عمرها، وعادت إلى الموقع في العام1993 لتخرج منه بعد ثلاث سنوات في ظل اتهامات بالفساد ظلت تلاحقها إلى ما قبل فترة قصيرة.

كان مطلوبا أن تبقى ابنة ذو الفقار علي بوتو خارج باكستان. لم يسمح لها الرئيس برويز مشرف بالعودة الا بعدما تأكد أنه لم يعد قادرا على سد المنافذ الحدودية في وجهها.

كان واضحا أن بي نظير مصرة على تحدي الارهاب، بعدما بدأت تدرك خطورته على مستقبل باكستان، بدت مشكلتها واضحة، انها تكمن في أنها لم تستوعب أن السنوات الثماني التي أمضتها في الخارج كانت كفيلة بتغيير طبيعة المجتمع الباكستاني.

لم يعد مقبولا أن تخوض امرأة الانتخابات وأن تصير رئيسا للوزراء في المستقبل القريب. عادت بي نظير وفي ذهنها أن باكستان لم تتغير وأن باكستان في2007 هي باكستان العام 1988 عندما تولت رئاسة الوزارة للمرة الأولى منتقمة لوالدها الذي أعدمه ضابط اسمه ضياء الحق وثق به ذو الفقار علي بوتو فرقّاه وقدمه على الضباط الآخرين وجعله رئيسا للأركان. حصل ذلك، قبل أن يرد له ضياء الحق الجميل بخلعه من موقع رئيس الوزراء وسجنه واعدامه..استنادا إلى اتهامات أقل ما يمكن أن توصف به أنها مركّبة.

مع اغتيال بوتو التي يظهر أنها رفضت تصديق أن المجتمع الباكستاني تغير إلى حد كبير، لم يعد فيه مقبولا أن تكون هناك امرأة في موقع رئيس الوزراء، صار السؤال هل لا يزال في الامكان انقاذ باكستان أم فات أوان ذلك؟ تكمن المشكلة، التي كان اغتيال بي نظير بوتو أفضل تعبير عنها، أن باكستان لم تعد باكستان. نشأ جيل جديد من الباكستانيين لا علاقة له بالدولة الديموقراطية التي انفصلت عن الهند والتي أسسها محمد علي جناح الذي قدم صورة حضارية وحقيقية عن الإسلام، الدين المتسامح الذي يعترف بالآخر ويقبل به.كان الهدف من قيام باكستان وانفصالها عن الهند حماية المسلمين وليس تحول تلك الدولة إلى ملجأ للمتطرفين الذين لا علاقة لهم من قريب أو بعيد بالاسلام.

للأسف الشديد، شهدت باكستان منذ مجيء ضياء الحق إلى السلطة في العام1977 تغييرا في العمق ترافق في مرحلة لاحقة مع تدفق المسلحين العرب على بيشاور من أجل "الجهاد" في أفغانستان، حصل ذلك ابتداء من مطلع الثمانينيات حين تحولت باكستان قاعدة خلفية لـ"الجهاد" في أفغانستان. نما في باكستان غول اسمه الاستخبارات العسكرية. صار هذا الجهاز أكبر من الدولة التي اسمها باكستان. انه الجهاز نفسه الذي سمح بقيام "طالبان" ابتداء من منتصف التسعينيات- في وقت كانت بي نظير رئيسا للوزراء- وفي سيطرتها على أفغانستان بحجة أن هناك حاجة إلى استقرار في هذا البلد الجار وأن لا بد من تأمين طرق آمنة لخطوط النفط الذي مصدره جمهوريات آسيا الوسطى المطلة على بحر قزوين...من دون المرور بالأراضي الروسية.

لم تكن "طالبان" سوى نتاج للاستخبارات العسكرية الباكستانية. لم تكن سوى نتاج للمدارس الدينية في باكستان التي خرجت مئات الآلاف من أشباه الأميين الذين صاروا، بدعم أميركي وغير أميركي، في خدمة أسامة بن لادن.

في العام2001، في الحادي عشر من أيلول – سبتمبر من ذلك العالم تحديدا، حين انقلب السحر على الساحر. تبين أن أفغانستان التي أصبحت في عهدة "طالبان"، بمباركة أميركية أولا، ملجأ آمنا لكل ما له علاقة بالارهاب.

ما فات الذين دخلوا أفغانستان، من أميركيين وغير أميركيين، بعد أحداث الحادي عشر من أيلول- سبتمبر 2001 لإزاحة "طالبان" وملاحقة أسامة بن لادن، إثر "غزوتي" نيويورك وواشنطن، أن جذور المشكلة في باكستان. فات هؤلاء أن منطقة الحدود الباكستانية– الأفغانية بحاجة إلى من يسيطر عليها في حال كان مطلوبا التخلص من "طالبان" ومن أسامة بن لادن.

ما العمل الآن؟ لا شك أن الولايات المتحدة التي تعاني من المأزق الأفغاني اكتشفت بعد اغتيال بي نظير بوتو أن لا علاج حقيقيا وفي العمق للوضع في أفغاستان من دون التعاطي مع المشكلة الحقيقية التي اسمها باكستان.

لا يكفي القول إن الرئيس الباكستاني برويز مشرف مهدد من الارهابيين وأنه معرض يوميا للاغتيال لتأكيد أنه على استعداد لمواجهة مشاكل البلد. لا بد من العودة الى الجذور، أي الى المدارس الدينية التي حولت المجتمع الباكستاني مصنعا للارهاب والارهابيين.

باكستان الحالية لم تعد لها علاقة بباكستان مؤسس الدولة الليبرالي محمد جناح. هناك "طالبان" في باكستان، أي الأجهزة التي صنعت "طالبان". انها الأجهزة نفسها التي قتلت بي نظير بوتو. هل في الامكان انقاذ باكستان من نظام "طالبان"؟ أم أن المجتمع في هذا البلد الذي يمتلك السلاح النووي لم يعد قابلا للاصلاح بعدما انتشرت ظاهرة المدارس الدينية وبعدما اخترق المتشددون والمتطرفون الأجهزة الأمنية، بل صاروا يشكلون العمود الفقري للأجهزة الأمنية، أي أنهم دولة أقوى من الدولة في باكستان..بل الدولة الفعلية في باكستان!

كاتب لبناني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »موضوعية (محمد)

    السبت 29 كانون الأول / ديسمبر 2007.
    لكاذا المبالغة في خطر المدارس الدينية؟ انظروا الى امريكا العلمانية. لقد قتل الأمريكانالملايين من الأبرياء في حروب عنصرية أخرها حرب العراق. ولو وضعنا كل قتلى التطرف الأسلامي في كفة ميزان لن توازي المذابح الأمريكية او الأسرائيلية في العراق وفلسطين. المطلوب من الليبراللين الحدد عند تقييم خطر العنف الديني ان يكونوا صادقيين مع انفسهم ومع القراء ويقارنوا بين العنف الديني والعنف العلماني.
  • »اول مره (pal)

    السبت 29 كانون الأول / ديسمبر 2007.
    اول مره - او بالاحرى - من المرات النادره للكاتب لا يهاجم فيها حماس، انا برأيي الشخصي هذه امرأه فاسده وعليها الكثير من قضايا الفساد ولكن هذا لا يبرر قتلها بهذه الطريقه وقتل اناس ابرياء معها
  • »طالبان" والمدارس الدينية في باكستان (khaled al qaralleh)

    السبت 29 كانون الأول / ديسمبر 2007.
    With all do respect to the writer of this article, I do not see the connection between title and the article if you referring to the schools in Pakistan that broadcasted on CNN ! Remember these schools are Quran schools.