العودة إلى فكرة "الدولة الواحدة"

تم نشره في الثلاثاء 25 كانون الأول / ديسمبر 2007. 02:00 صباحاً

على مدى عقود، فشلت محاولات ايجاد حل قائم على اساس دولتين في فلسطين التاريخية في احقاق العدالة او السلام للشعبين الفلسطيني والاسرائيلي -اليهودي- او في اطلاق سيرورة حقيقية نحوهما.

تلك كانت المقدمة لإعلان "الدولة الواحدة" (الذي صدر بتاريخ 29/11/2007)، ويبدو ان اختيار هذا التاريخ بالذات لاطلاق الاعلان ليس من قبيل المصادفة، كون الجمعية العامة للامم المتحدة كانت قد اتخذت في مثل هذا اليوم من عام 1947 قرارها المجحف بتقسيم فلسطين.

اما فكرة "الدولة الواحدة" فليست جديدة. الجديد فقط هو ان عوامل موضوعية، تكاثرت على مدى السنين والعقود المتتالية السالفة، وادت الى تكثيف الجدل بين الاستمرار في ترديد شعار "حل الدولتين"، او في تبني طرح جديد ينادي بـ"دولة واحدة" لكل المقيمين فيها.

تمخض "اعلان الدولة الواحدة" المشار اليه اعلاه عن مؤتمرين عقد اولهما في مدريد في شهر تموز الفائت وعقد الثاني في لندن في منتصف تشرين الثاني الماضي ايضاً. وشارك في اللقاءين مثقفون عرب واسرائيليون وغيرهم ممن التقت افكارهم عند فكرة الدولة الواحدة الثنائية القومية، وجاء في اعلانهم ايضاً: "ان حل الدولتين يتجاهل الحقائق المادية والسياسية على الارض، كما يفترض تكافؤاً في القوة وفي المطالب الاخلاقية بين شعب محتل ومستعمر من جهة، ودولة استعمارية تمارس الاحتلال العسكري من جهة اخرى، وان هذا الحل يقوم على العرضية، الجائزة بأن في الامكان تحقيق السلام من خلال منح حقوق وطنية محدودة للفلسطينيين القاطنين في المناطق المحتلة عام 1967 مع حرمان الفلسطينيين داخل حدود 1948 وفي الشتات حقوقهم".

ويحذر الاعلان ان حل الدولتين "يقضي على الفلسطينيين من حملة الجنسية الاسرائيلية بالعيش الدائم كمواطنين من الدرجة الثانية داخل وطنهم في ظل دولة عنصرية تحرمهم حقوقهم وتطبق قوانين منحازة لصالح اليهود دستورياً، وقانونياً، وسياسياً، واجتماعياً، وثقافياً، اضافة الى ان حل الدولتين يحرم اللاجئين الفلسطينيين حقهم المعترف به دولياً في العودة الى ديارهم، ويرسخ ويرسم سياسة فصل غير متساو على ارض اصبحت مندمجة جغرافياً واقتصادياً اكثر من اي وقت مضي، ولا تستطيع جميع الجهود الدولية الساعية الى تطبيق حل الدولتين ان تخفي حقيقة ان الدولة الفلسطينية غير قابلة للحياة، وان الاستقلال الفلسطيني واليهودي- الاسرائيلي في دولتين منفصلتين لا يمكن ان يعالج المظالم الجذرية، التي ينبغي ان يكون الاقرار بوجودها وحلها جذرياً وازالتها في صميم اية تسوية عادلة".

اما البديل الذي يطرحه الاعلان فهو حل ديمقراطي يؤدي لسلام عادل ودائم في دولة واحدة تقوم على اساس ان ارض فلسطين التاريخية هي ملك لكل من يعيشون عليها، وكل من طرودا او هجروا منها منذ 1948 بغض النظر عن الدين او الاثنية او الاصل القومي او الجنسية الحالة، كما يجب ان يؤسس اي نظام للحكم في الدولة الواحدة على مبدأ المساواة في الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والثقافية لجميع المواطنين على ان تمارس السلطة بإنصاف صارم باسم الناس جميعاً على تعدد هوياتهم بلا طائفية وبلا تمييز في الحقوق بين مجموعة اثنية او دينية واخرى ومع احترام فصل الدين المنظم عن الدولة، ومع وضع سياسة شفافة، ولا تمييز به في مجال الهجرة الوافدة وتطبيق حق عودة اللاجئين الفلسطينيين انسجاماً مع قرار الامم المتحدة.

مع ان هذه المبادئ المنصوص عليها في الاعلان لا تختلف عن المبادئ التي تقوم عليها اية ديمقراطية في عالمنا المعاصر الا ان المسألة ليست بهذه البساطة، بخاصة وان الجدل حول هذه القضية يحتدم في مرحلة حساسة يمر بها الصراع العربي- الاسرائيلي.

في الاصل قامت اسرائيل على اساس ديني.. ويطالب قادة اسرائيل الان بالاعتراف باسرائيل كدولة لليهود فقط، وهذا ما يؤكد حالة الاستثناء الفريدة القائمة في صميم هيكل الدولة الاسرائيلية التي لن يكون بمقدورها ان تساوي بين مواطنيها، لذلك يوجد التمييز الصارخ ضد المواطنين الاسرائيليين العرب، اهل الارض الاصليين، التمييز الذي يتناقض مع ابسط مبادئ الديمقراطية.

لقد تاجرت اسرائيل منذ قيامها بأنها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، واستطاعت ان تروج الفكرة في اوساط دولية شاسعة ولا تزال في الوقت الذي ترتكب في اسرائيل انتهاكات غير مسبوقة بحق الفلسطينيين مواطنين او محتلين، وبحق القانون الدولي والمواثيق الدولية بمجملها، ولكن ذلك لم يحل دون ان يطلق رئيس وزراء اسرائيل بعد لقاء انابوليس تحذيراً هاماً، اعترف بموجبه ان بقاء الوضع القائم سيحول اسرائيل الى نظام عنصري. ومن قبل حذر قادة اسرائيليون آخرون من ان بقاء الاحتلال وبقاء نسبة كبيرة من العرب ضمن "الدولة اليهودية" من شأنه اما ان يلغي هوية الدولة او يحولها لنظام فصل عنصري.

لكن، وعلى الرغم من ذلك لم تتخل اسرائيل منذ عام 1967 بالتحديد عن سياسة تهويد واستعمار الاراضي التي احتلتها ذلك العام. وبذلك استحال قيام دولة فلسطينية بسبب انتشار الاستيطان الاستعماري على الارض التي كان من المفروض قيام الدولة الفلسطينية عليها. وتزداد الاستحالة تأكيداً كل يوم باستمرار سياسة الاستيطان.

ولأن اسرائيل فشلت في تحقيق ما سعت اليه اصلاً، وهو الاستحواذ على الارض من دون سكانها، فقد اصبح التمييز بحقهم مسألة حتمية.. فما هو الحل اذن؛ لا انهاء للاحتلال، ولا قدرة على فصل الارض عن سكانها، ولا منحهم حقوقاً متساوية، ولا اعترافاً بالتخلي عن الديمقراطية المدعاة من اجل الجشع الاستعماري والتوسعي والتهويدي، ولا قبولاً بالامر الواقع الذي لم يفرز سوى التمييز وانهاك الحقوق.

هذه هي الحقائق الصارخة القائمة على الارض، التي تجعل قيام دولة فلسطينية مترابطة مسألة مستحيلة. فلم يبق من ارض فلسطين سوى اقل من عشرة في المائة، وهي ارض مجزأة وغير قابلة للتواصل الطبيعي. ومن هنا بدأ الحديث يتصاعد عن ضرورة البحث عن البديل. والبديل في الدولة الواحدة لكل من عليها، وذلك يختلف جذرياً عن الطرح السابق لمنظمة التحرير الفلسطينية، اي "الدولة العلمانية الديمقراطية".

من الواضح ان فكرة "الدولة الواحدة" تصطدم بمقاومة هائلة من قبل اسرائيل ومن السلطة الوطنية الفلسطينية رسمياً. ولكن الشيء ذاته حدث بالنسبة لقيام دولة فلسطينية، التي اصبحت مطلباً اسرائيلياً ودولياً الآن، ولم نتعود ان نشهد في التاريخ ثوابت غير قابلة للتغيير.

التحذير بان فكرة الدولتين تجاوزتها الاحداث لم يظهر الان فقط. لقد اطلقه اسرائيليون وفلسطينيون ومفكرون دوليون كُثر على مدى السنين. صحيح ان البعض اطلقه بصدد الالحاح على متابعة حل الدولتين، لكن الفكرة تزداد انتشاراً وتتعمق جذورها.

سفير الأردن السابق في الأمم المتحدة

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »غير صحيح (يوسف)

    الثلاثاء 25 كانون الأول / ديسمبر 2007.
    الأخت ماجدة صابرز أستغرب من ادعاءك انه لا يمكن أن يحدث الواحد عن الدولة الواحدة إلا إذا تعرضت إسرائيل لهزيمة ساحقة.

    من اين هذا الإستنتاج؟ كلنا يعلم ان جنوب افريقيا العنصرية النووية سقطت كدولة بيضاء وولدت كدولة ديمقراطية بدون حرب بسبب الحصار السياسي والإقتصادي. ونقس الشيئ بالنسبة لروديسيا العنصرية وكل دويلة عنصرية استعمارية ولدت في وسط تجمع ديمغرافي تعتبره عرق من الدرجة الثانية. ولم تنجح الى الدول الإستعمارية اللتي ي تحولت الى ديمفراطيات علمانية ليبرالية مثل امريكا وكندا.
  • »نعم (عمر)

    الثلاثاء 25 كانون الأول / ديسمبر 2007.
    نعم . الدولة الواحدة هي الحل. لقد سقط خيار الدولتين بسبب العنصرية الصهيونية العمياء.
  • »ترف فكري لمصلحة اسرائيل (ماجدة صابر)

    الثلاثاء 25 كانون الأول / ديسمبر 2007.
    حل الدولة الواحدة ثنائية القومية هي فكرة قديمة أصلها بعض مفكري حركة فتح في سيتينات القرن الماضي. المشكلة أن الاسرائيليين في جلهم ضد حل الدولة الواحدة وهناك أغلبية في اسرائيل مع حل الدولتين. أظن أن التركيز على حل الدول الواحدة هو حديث مثالي ومضيغة لوقت الناشطين والمثقفين ولا يمكن أن يحدث إلا إذا تعرضت إسرائيل لهزيمة ساحقة ويبدو أن هذا الأمر غير وارد في المدى القريب أو المتوسط. أظن أن اسرائيل تستمتع بالأفكار النظرية غير القابلة للتطبيق لانها تمنحها مزيد من الوقت لتغيير الحقائق على الأرض لمصلحتها.