لماذا اغتيل فرنسوا الحاج؟

تم نشره في الأربعاء 19 كانون الأول / ديسمبر 2007. 02:00 صباحاً

لماذا اغتيل العميد فرنسوا الحاج مدير العمليات في الجيش اللبناني؟ هل صحيح أنه انتقام من أصوليين بسبب الدور الذي لعبه في معارك مخيم نهر البارد التي انتهت بانتصار كبير حققه الجيش اللبناني على عصابة "فتح الأسلام" السورية بزعامة شاكر العبسي. أم أن الموضوع مرتبط باستخدام الإسلاميين المتطرفين السنّة مرة أخرى لتغطية جريمة كبيرة على غرار ما حصل في الأيام التي تلت اغتيال الرئيس رفيق الحريري؟.

 تشير معظم الدلائل إلى أن عملية الاغتيال ليست من صنع هواة، وأن الموضوع أكبر بكثير من عملية انتقام من الضابط الكبير، وأن لا بد من وضع الجريمة في إطارها الحقيقي أي مستقبل لبنان ومؤسساته وهل في استطاعة الوطن الصغير العيش في غياب نظام الوصاية الذي استمر منذ العام 1976 وتكرس على كل الأراضي اللبنانية في العام 1990؟ تكرس هذا النظام عندما استطاع الجيش السوري من دخول قصر بعبدا ومقر وزارة الدفاع اللبنانية في "اليرزة" بفضل المواقف التي اتخذها وقتذاك الجنرال ميشال عون الذي كان على رأس حكومة انتقالية  مقيمة في قصر الرئاسة.

يمكن من خلال استهداف هذا الضابط  المرموق بالذات والذي كان مرشحا لأن يخلف العماد ميشال سليمان قائدا للجيش في حال انتخاب الأخير رئيسا للجمهورية، السعي إلى فهم الجريمة بأبعادها المختلفة. يبدو ممنوعا أولا أن يكون هناك ضباط لبنانيون يتحركون من منطلق أن لبنان بلد مستقل لديه حرية التعاطي مع أي دولة عربية أو أجنبية يختارها، باستثناء إسرائيل طبعا، وذلك بما يخدم مصالحه المباشرة. وعلى سبيل المثال وليس الحصر، سمحت معارك مخيم نهر البارد، التي استمرت أكثر مما يجب بسبب النقص في الأسلحة والمعدات الضرورية لمثل هذا النوع من المعارك، بحصول الجيش على أسلحة وذخائر من جهات عربية على رأسها مصر والأردن ودولة الإمارات، ومن جهات أخرى على رأسها الولايات المتحدة. لم يكن في استطاعة الجيش اللبناني التصرف بهذه الطريقة لو كان البلد لا يزال تحت الوصاية بشكل مباشر.

 كان عليه أن يستعين بسورية ولا أحد غير سورية، فعل ذلك بتغطية من الحكومة الشرعية في أثناء معارك نهر البارد. فعل ذلك من دون عقد ومن دون أن يعني حصوله على ذخائر من سورية أن عليه حصر علاقاته بها. وقد حرص قائد الجيش على شكر دمشق على دعمها الجيش بالذخيرة، ولو في وقت متأخر. كذلك حرص على نفي علاقتها بعصابة شاكر العبسي في الوقت ذاته، علما أن الطفل في السياسة يدرك من أين جاء أفراد العصابة ومن أين أتت أسلحتهم.

لعب الجيش اللبناني دورا أساسيا في الخروج من تحت الوصاية، وتأكيد قدرة لبنان في حكم نفسه بنفسه وأن المؤسسة العسكرية ضمانة لكل المؤسسات الأخرى ولجميع اللبنانيين. تصرف الجيش بما يليق بلبنان واللبنانيين وحال دون أي صدام في الشارع، إضافة إلى أنه وقف موقفا تاريخيا في الرابع عشر من آذار 2005 عندما خرج اللبنانيون، على رأسهم أهل السنة، إلى الشارع وأظهروا للعالم أن المطلوب أنهاء الوجود العسكري السوري في لبنان. وفي كل المراحل الدقيقة التي مر فيها لبنان، وعلى الرغم من الاغتيالات والتفجيرات المتتالية، كان الجيش صمام الأمان وأثبت ذلك بفعالية ليس بعدها فعالية عندما استطاع أثر حرب صيف العام 2006 الانتشار في الجنوب  بعد غياب استمر نحو ثلاثين عاما وذلك بموجب القرار الرقم 1701 الصادر عن مجلس الأمن.

في ظل صعود نجم  الجيش، بدا وصول ميشال سليمان إلى الرئاسة ووجود فرنسوا الحاج على رأس القيادة العسكرية من المحظورات، خصوصا أن عهد الوصاية لم يكن يسمح بذلك في أي شكل. لم يسمح بذلك عندما كان لديه وجود عسكري في لبنان، وفي عهد إميل لحود تحديدا. والدليل على ذلك، ليس إميل لحود من اختار ميشال سليمان قائدا للجيش. لن يسمح بذلك الآن بعدما اعتبر نائب الرئيس السوري السيد فاروق الشرع أن سورية باتت الآن في لبنان في وضع أقوى مما كانت عليه عندما كان لديها وجود عسكري في البلد.

في حال كان مطلوبا اختصار الأمور، أمكن القول إن رئاسة الجمهورية شيء وقيادة الجيش شيء آخر. لا بدّ أن تكون هناك مؤسسات لبنانية متباعدة عن بعضها بعضا لا يجمع بينها سوى الوصي على لبنان. ما دام النظام السوري يعتبر نفسه في وضع أفضل من الماضي في لبنان، لماذا لا يمارس لعبته المفضلة المتمثلة في أن لكل جهاز لبناني مرجعيته ولكل سلطة فيه مرجعيتها خارج لبنان، أي في دمشق.

يشكل اغتيال العميد فرنسوا الحاج، بغض النظر عن الجهة التي ارتكبت الجريمة، دليلا على أن النظام السوري يعتبر بعد سنتين وثمانية أشهرعلى سحب قواته من لبنان أن طريق العودة صارت ممهدة، وأن في إمكان النواب اللبنانيين انتخاب رئيس جديد، قد يكون ميشال سليمان أو غيره. ولكن ما ليس مسموحا به أن يختار اللبنانيون من سيكون قائد الجيش الجديد ولا رؤساء الأجهزة الأمنية. أو ليس هذا معنى ما قاله قبل فترة قصيرة السيد حسن نصرالله الأمين العام لـ"حزب الله" الذي عوض للسوريين، بفضل مسلحيه، عن وجودهم العسكري في لبنان. ألم يقل إن المطلوب قبل انتخاب رئيس الجمهورية الجديد الاتفاق على من سيكون قائد الجيش الجديد، ومن سيكون على رأس الأجهزة الأمنية وكيف ستوزع الحقائب الوزارية ؟ نسي ميشال سليمان أن عهد الوصاية يعتبر أنه عاد، وأن على الجميع أخذ العلم بذلك.

كاتب ومحلل لبناني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الكاتب يتجاهل (رياض)

    السبت 22 كانون الأول / ديسمبر 2007.
    الكاتب العزيز يتجاهل وبشكل صارخ ومفضوح الجهات الحقيقية التي مولت شاكر العبسي عبر حسابات بنكية داخل لبنان ويغض الطرف بشكل واضح عن ظهير العبسي ومدربي افراده الذي كما يبدو حاول الخروج عن الخطة المرسومه له داخل لبنان واستغل لكسر المحظور والخط الاحمر فيما يتعلق باكثر الناس ضعفا في لبنان وهم فلسطينيون المخيمات.. فالحكومة"الشرعية" لم تفلح في التغلب على شيء في لبنان سوى نهر البارد الذي جاء ليثأر الجيش فاقد القدرة على العمل ليثار لسمعته وبزته العسكرية.. ان استثنينا المقاومة والجنوب!! هل يستطيع الكاتب ان يذكر لنا انتصارا او نجاحا واحدا حققه الجيش والحكومة "الشرعية" في لبنان!؟ ان لبنان يقتل يوميا في ظل ادارة "الشرعية" التي لا ارى سوى شرعية واحدة لها تحضر دائما على اللسان الامريكي فقط!!
    الكاتب يعلم جيدا انه برغم كل ما فعله السوريون في لبنان الا ان عصابات شاكر العبسي وسلطان ابو العينين تمول وتحرك من اطراف داخل لبنان والاقليم - وهنا بالذات لا علاقة للسوريون - الانتصار في نهر البارد انتصار كاذب.. لان جيشا لم يستطع ان ينهي معركة مع عصابة الا بعد اشهر طويلة كان ضحيتها الاساس سكان ما لهم من امرهم شيء!! والزائر لنهر البارد يعلم كيف كان القتل البارد والمغلول لدى بعض الاطراف ضد ممتلكات -ان جاز التعبير- وبيوت وواقع هو الاسوء.. "كف كبير" للانجاز العظيم الذي حققته "الشرعية" في لبنان!!