مثال تيمور الشرقية

تم نشره في الثلاثاء 11 كانون الأول / ديسمبر 2007. 02:00 صباحاً

إن تيمور الشرقية، والتي تعرف الآن بتيمور- ليشتي، تعتبر الديمقراطية الأحدث عهداً في العالم. وقد يكون تعداد سكانها أقل من المليون، إلا أنها تتمتع بتاريخ بطولي باعث على الفخر وثقافة ثرية تراكمت عبر قرون من التأثيرات العرقية والاستعمارية.اجتذبت هذه الجزيرة التجار الصينيين والماليزيين في القرن الخامس عشر. وبعد فترة قصيرة وصل البرتغاليون،وظلوا مقيمين بالجزيرة لأربعة قرون من الزمان. والآن أصبحت تشد الانتباه باعتبارها مثالاً لبناء الأمة طبقاً للنموذج الذي تتبناه الأمم المتحدة.

يتولى أتول كهاري رئاسة بعثة الأمم المتحدة المتكاملة في تيمور- ليشتي (UNMIT)، والتي تتألف من هيئة عاملين مدنية قوامها 1560 موظفا، 334 منهم من المتطوعين، علاوة على قوة شرطة تتألف من1623 فرداً من تسعة وثلاثين دولة، تحت قيادة مفوض الشرطة رودلفو تور.

والوظيفة الأساسية التي تضطلع بها بعثة الأمم المتحدة المتكاملة في تيمور – ليشتي هي في الحقيقة مهمة عسيرة: حيث تتلخص في التوصل إلى المصالحة الوطنية. ورغم عقد انتخابات برلمانية سلمية في الثلاثين من يونيو/حزيران من هذا العام، إلا أن جواً من الخوف والترقب يخيم على البلاد منذ ذلك الوقت. فقد عجز كل من حزب الجبهة الثورية لاستقلال تيمور الشرقية(Fretilin)، وحزب المؤتمر الوطني لإعادة إعمار تيمور الشرقية(CNRT) الذي تأسس حديثاً تحت قيادة زنانا غوسماو بطل المقاومة ضد الاحتلال الإندونيسي، عن الفوز بأغلبية صريحة.

في مستهل الأمر كانت الأمم المتحدة، مثلها في ذلك كمثل العديد من أهل تيمور، بما فيهم خوسيه راموس هورتا رئيس البلاد الحائز على جائزة نوبل والذي فاز بالانتخابات في شهر مايو/أيار الماضي، تتمنى أن يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية. بيد أن المحاولات التي دامت شهراً لتشكيل حكومة شاملة باءت بالفشل. وعلى هذا فقد قرر راموس هورتا في شهر أغسطس/آب الخروج من ذلك الطريق المسدود بتعيين غوسماو، الحليف السياسي القديم ورئيس البلاد السابق، رئيساً للوزراء.

ولقد عمل غوسماو على تشكيل ائتلاف مع ثلاثة أحزاب أخرى من يسار الوسط. وفاز هذا الائتلاف بأغلبية ضئيلة(51%) في الاقتراع العام، فحصل على37 من أصل65 مقعداً في البرلمان. أما مارتي ألكاتيري، زعيم حزب الجبهة الثورية لاستقلال تيمور الشرقية ورئيس الوزراء الأسبق ومنافس غوسماو الرئيسي،فقد أدان قرار راموس هورتا.

وحسبما قال فإن حزب الجبهة الثورية لاستقلال تيمور الشرقية لن يتعاون مع حكومة "غير شرعية وغير دستورية". فالدستور قابل للتأويل، وهو يزعم أن حزب الجبهة الثورية لاستقلال تيمور الشرقية، الذي فاز بأكبر حصة من الأصوات(29%)، كان لابد وأن يتم تكليفه أولاً بتشكيل الحكومة ـ حتى ولو كانت حكومة أقلية.

في البداية سعى حزب الجبهة الثورية لاستقلال تيمور الشرقية إلى مقاومة القرار بأساليب غير عنيفة. إلا أن بعض مناصري الحزب شرعوا في التنفيس عن غضبهم في الشوارع. فاندفعت جماعات من الشباب الغاضب، المسلحين بالحجارة والنبال، في سُـعارٍ محموم، فأقاموا الحواجز على الطرق وأشعلوا النيران في المباني.

بيد أن هذا لم يستمر طويلاً، بفضل جهود الأمم المتحدة والعملية الديمقراطية التي تساعد في تنميتها ودعمها هناك. مما لا شك فيه أن تيمور – ليشتي تمر بحالة من التيه السياسي منذ العام الماضي، حين أدت الصدامات بين الفصائل المتنافسة في قوات الأمن إلى انهيار مؤقت للقانون والنظام. ولكن بعد أن أصبح زمام السلطة الأمنية الآن بين أيدي قوات الشرطة التابعة للأمم المتحدة وقوات حفظ السلام الأسترالية والنيوزلندية، باتت الفرصة الآن سانحة أمام العملية السياسية للإصلاح من هيئتها.

الآن بات لزاماً على غوسماو أن يثبت نفسه على رأس حكومة تفتقر إلى الخبرة. ويتمثل أحد الاختبارات الرئيسية للحكومة الآن فيما إذا كان النازحون الذين بلغ عددهم مائة ألف، أو حوالي10% من إجمالي سكان البلاد، والذين يعيش أغلبهم في معسكرات الخيام، يشعرون بالأمان الكافي للعودة إلى ديارهم. وإذا ما أصر حزب الجبهة الثورية لاستقلال تيمور الشرقية على قراره باعتراض سبيل الحكومة الحالية، فلسوف تستمر هذه الحالة من انعدام الاستقرار.

وهنا يأتي دور رابطة دول جنوب شرق آسيا(ASEAN) في المساعدة. فعلى رأس جدول أعمال قمة زعماء دول الرابطة المقرر انعقادها في سنغافورة هذا الشهر تأتي مسألة تبني ميثاق يجسد مفهوم "الرؤية الواحدة، والهوية الواحدة، والمجتمع الواحد" لبلدان جنوب شرق آسيا. ورغم أن تيمور – ليشتي ما زالت مكلفة بدور المراقب فقط بين أعضاء أسرة رابطة دول جنوب شرق آسيا، إلا أنها تبدو أكثر قدرة ـ مقارنة بميانمار، الدولة العضو في رابطة دول جنوب شرق آسيا ـ على إدراك الحاجة إلى وجود مثل هذه الرابطة القائمة على قواعد راسخة، والتي تدافع عن الحكم الديمقراطي وتناصره حتى في ظل أصعب الظروف.

الحقيقة أن أهل تيمور – ليشتي يؤكدون على نحو ثابت أن ما يريدونه من حكومتهم هو الانفتاح، والحوار، وتصويت الأغلبية في ظل حكم القانون. ولا يريد أهل ميانمار أيضاً أكثر من هذا، إلا أن بلدهم تدفعه نحو الانهيار سنوات من الأزمات السياسية والاقتصادية، وقد تضطر رابطة دول جنوب شرق آسيا إلى نبذ بلدهم في النهاية، كما حدث مع زيمبابوي في أفريقيا. وينبغي أن يكون هذا بمثابة تحذير للفصائل المتناحرة في تيمور – ليشتي، خشية أن تتصور إحداها أن العودة إلى القمع والدكتاتورية هي الحل الأفضل للأزمة التي تعيشها بلادهم.

فيديل ف. راموس رئيس الفلبين الأسبق.

خاص بالغد بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت،2007.

ترجمة: إبراهيم محمد علي.

التعليق