حتى لا ننسى قيم الإسلام في دفاعنا عنه

تم نشره في الأربعاء 5 كانون الأول / ديسمبر 2007. 03:00 صباحاً

ترددت في الكتابة حول قضية المدرِّسة البريطانية جيليان غيبونز، التي اخذت تتطور بسرعة الى ازمة بين الحكومتين السودانية والبريطانية، وماتزال.

سبب التردد هو ما للمسألة من حساسية؛ فالأمور التي تمس المشاعر الدينية لا تخضع بصورة آلية لمعايير المنطق الجاحد، ولا تنطبق عليها الاحكام الموضوعية احياناً، احكام الحق والباطل.. وحتى يستطيع اي مراقب ان يصدر اي حكم فإن عليه اولاً ان يتفهم مدى ما تلحقه بعض التصرفات، وإن صدرت عن حسن نية، من اذى لمشاعر الآخرين.

المدرّسة جيليان غيبونز تبلغ من العمر 54 عاماً تعلم اللغة الانجليزية لأطفال سودانيين.. تتراوح اعمارهم بين الخامسة والسادسة.. وقد أُلقي القبض عليها وحوكمت بتهمة "اهانة الدين الاسلامي والتحريض على الكراهية".. وعلى الرغم من ضخامة هذه التهم، فقد صدر على المدرِّسة حكم بالسجن لمدة 15 يوماً فقط. وهنا يمكن القول: ان السلطات القضائية حاولت بقدر استطاعتها تفهم مشاعر الغضب التي عبر عنها سودانيون حملوا العصي والسواطير وتجمعوا وهتفوا وطالبوا بالانتقام لكرامة الاسلام ورسوله العظيم محمد صلى الله عليه وسلم من المدرسة "المعتدية"، كما حاولت المدرّسة، في نفس الوقت، تفهُّمَ ظروف القضية الموضوعية، التي قد لا تعزز اية قناعة بأن مدرّسة بريطانية جاءت من لفربول لتعمل في الخرطوم، وهي تبيت هذه النوايا ضد الدين الاسلامي وضد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

يمكن القول، ايضاً؛ ان الحكم، وان اقتصر على هذه المدة القصيرة فهو ادانة، وعقوبة. واذا كانت هذه الادانة وهذه العقوبة مستحقة، فيجب اثبات الجرم اولاً، إثبات سوء النية وسوء القصد المبيت لإلحاق الاساءة والتحريض على الكراهية.. لو ثبت هذا لما كانت العقوبة مناسبة للذنب..

واذا كان الحكم قد صدر بغير الثبوت، ولمجرد مسايرة المشاعر الغاضبة ففي ذلك تجاوز على العدالة، وبالتالي تجاوز على قيم الدين الاسلامي الحنيف التي تعتبر العدالة المطلقة من اهمها.. فهل يصح ان نتصدى للدفاع عن كرامة الدين ومعناه، بغير التزام صادق بقيمه ومعاني رسالته السمحة النبيلة؟

ما هي قصة المدرّسة غيبونز؟

ما سمعناه هو ان التلاميذ الصغار السن ارادوا ان يختاروا اسماً لدمية وجدت في صفهم على شكل دب صغير.. وبعد المداولة اقترح طفل اسمه محمد ان يسمي الدمية مثله فكان ذلك، ووافقت المدرسة على التسمية، دون ان تكون هي التي اقترحتها. وهنا بدأت القصة تكبر وتتعاظم.. وألحقت بها اسوأ التفسيرات.. هل خطر ببال ذلك الطفل عندما اقترح اسم محمد، وهو الاسم الاكثر شيوعاً في البلدان الاسلامية وفي السودان بالذات، هل خطر بباله ان ذلك المقترح ينطوي على اية اساءة؟ وهل وافقت المدرّسة لأنها وجدت في تلك القصة الفرصة المنتظرة للإساءة الى الرسول الكريم وإلى الدين؟

يكاد يكون من الصعب تصور ذلك.. فما اكثر الحالات التي يجد اكثر الناس حرصاً وحذراً انفسهم، وقد وقعوا عن غير قصد، في حرجٍ نجم عن قولٍ او فعل، وينتهي الامر بالتعبير عن المعذرة والتوضيح.. كل "حبة" يمكن ان تتحول الى "قبة"، ويمكن ايضاً ان يمنح الناس ما يسمى بـ"منفعة الشك"، بحيث تبقى الامور، وحتى الاخطاء الصغيرة، في حجمها دون تضخيم او مزايدة او تكبير مضر، ما يلبث ان يخرج الامور عن نطاق السيطرة، فتتحول مساعي رد الاساءة الى الاساءة بعينها.

اقول هذا وانا ادرك تماماً ان الاجواء بين العالم الاسلامي والعربي من جهة، والعالم الغربي (دون ان اضيف لذلك اي توصيف ديني) من جهة اخرى، مشحونة بالكثير من الشك، والشك المبرر احياناً، بسبب وجود من يقصدون الاساءة للاسلام ومعانيه النبيلة، وللعروبة وحضارتها العريقة، مستغلين بعض، وحتى الكثير، من الاخطاء والفظائع الجسيمة التي ارتكبت باسم الاسلام والمسلمين.

وفي ظل هذه الاجواء تستبد الشكوك بعقول الناس وبمشاعرهم بحيث تستعصي عليهم رؤية الامور الا في اسوأ تفسيراتها.. وهنا يأتي دور العقل، ودور التوجيه الرصين في كبح المشاعر الجامحة وردود الفعل الفاضية.. حتى لا يتحول رد الفعل، المشروع احياناً، الى فعلٍ سيئ في حد ذاته.

ليس فقط من حق الجهات المعنية والمسؤولة ان تدافع عن سمعة ومكانة الدين، والمقدسات والقيم، والانبياء والرسل والرموز، لا بل ومن واجبها ان تفعل ذلك ايضاً، كما ان من صميم واجبها ان تتصدى للتحريض والاساءة والتجني والتشويه.. ولكن عليها ان تعتمد الاساليب الهادئة الرصينة، واستخدام الحجة المقنعة، وتقديم الصورة التي تقدم الدليل في كل حركة، وكل لحظة، على سلامة معاني القيم المدافع عنها، لا كما حدث من رد فعلٍ بالتدمير والحرق والعنف في بعض المواقع على الرسوم "الكاريكاتورية الدنماركية"، التي وان كانت تقصدت الاساءة للرسول الكريم، الا ان بعض ردود الفعل العنيفة عليها شكلت اساءات ذاتية جديدة، قدمت المبرر لمن تقصدوا الاساءة للاستشهاد بها..

على القيادات الحكيمة ان تقود لا ان تُقاد، وعليها ان تقول كلمتها بشجاعة وحزم لقطع الطرق على الاستغلال الجامح لكل ازمة، او لتكبيرها اضعاف حجمها الحقيقي.. نعم لاحترام مشاعر الناس العفوية النبيلة الصادقة وتفهمها بالرغم من بساطتها احياناً واستعدادها بالتالي للجنوح نحو ردود الفعل المغالية.. لكن، لا بد ان يقترن ذلك بالإجراء الحازم لصالح الحق والعدالة، وهما من اعظم القيم التي جاء بها رسول المسلمين صلى الله عليه وسلم، وجاءت بها رسالته.

سفير الأردن السابق في الأمم المتحدة

التعليق