ماذا بعد انابوليس؟

تم نشره في الأربعاء 28 تشرين الثاني / نوفمبر 2007. 02:00 صباحاً

كان الاصح ان يطرح مثل هذا السؤال بعد معرفة النتائج التي سيتمخض عنها مؤتمر السلام الذي سيعقد خلال ساعات من وقت كتابة هذه الاسطر. لكن الدلائل كلها، وكذلك المواقف المعلقة والتصريحات، والتنبيهات المتكررة من المبالغة في التوقعات وبناء الآمال، بخاصة تلك التي صدرت عن اقرب واهم المعنيين بالمشروع، كل ذلك يشير الى ان المؤتمر لن يغير من الواقع القائم شيئا.

قد تقتضي الدقة الا يكون الحديث عن فشل او نجاح؛ لأن مثل هذا التوصيف يرتبط بالاهداف الحقيقية من وراء فكرة المؤتمر، وهي ليست بالضرورة الاهداف المعلنة والمروّج لها بكثافة منذ انطلقت الدعوة في شهر تموز الفائت.

لفترة ما، اصبح اللقاء هدفا في حد ذاته، وتكرس الجهد عندئذ للبحث عن صيغة ومسوغ, خاصة بعد ان سدت اسرائيل كل الطرق امام جعله مؤتمر سلام اسرائيليا فلسطينيا. لكن هل كان هدف واشنطن بالفعل هو احياء عملية السلام، ودفع الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي للتفاوض الجاد من اجل الاتفاق؟ والجواب عن ذلك غير ممكن، لا قبل انابوليس ولا بعده، ففي واشنطن اكثر من قرار واكثر من مقرر.

هنالك جماعة المحافظين الجدد الذين يتبنون بقوة، وبلا اي تحفظ، وجهة نظر اليمين الاسرائيلي المتطرف, ولا مجال هنا للعودة للتذكير بدور الجماعة في التخطيط لحرب العراق كجزء من مخطط شامل للمنطقة للمصلحة الاسرائيلية المباشرة، وعلى حساب اي شيء آخر، وعلى رأس هذه الجماعة تتربع قوة سياسية فاعلة ومؤثرة ومقررة في عملية صنع القرار، متمثلة في شخص نائب الرئيس، وليس من المستغرب ان تكون هذه الجماعة قد وفرت الحماية اللازمة للتصلب الاسرائيلي، وللحرص الاسرائيلي على جعل لقاء انابوليس مجرد فرصة للعلاقات العامة، مع الدول العربية التي لا علاقات لها باسرائيل، وللتعبير غير الملزم عن حسن النوايا، من دون ان يكون لذلك اي تأثير على ما يجري على الارض.

هنالك جماعة وزارة الخارجية، والوزيرة كونداليزا رايس، التي يُزعم انها - ووزارتها- تحرص فعلا على خلق المناخ الملائم لمشروع تسوية فلسطيني اسرائيلي. لكنها، وهي التي تمثل "الاعتدال"، كما كانت الحال بالنسبة لسلفها كولن باول، تتعرض لمقاومة الفريق الآخر، كما كانت الحال بالنسبة لسلفها ايضا. والنتيجة ان زياراتها المتكررة للمنطقة، ولقاءاتها مع القيادتين الفلسطينية والاسرائيلية وغيرهما من قيادات المنطقة الاخرى لم تحرز اي تقدم، ولم تزحزح الموقف الاسرائيلي المتصلب المتعنت قيد شعرة عن إصراره إبقاء الامور على حالها.

لم يكن بمقدور وزيرة اكبر واهم دولة في العالم، الدولة التي تمتلك مفاتيح الحل في المنطقة، لم يكن بمقدورها ان تعزز جهودها بهيبة ومكانة بلدها بسبب تشتت المواقف فيها وبسبب اختلاف وجهات النظر بصدد هذه القضية بالذات كونها تخص اسرائيل، ولأنّ اللوبي الاسرائيلي هو جماعة الضغط الاكثر تأثيرا.

هل كان هدف واشنطن من وراء فكرة اللقاء احراز تقدم على جبهةٍ لموازنة الاخفاق السياسي في جبهات اخرى كالعراق مثلا كما اشارت لذلك تقارير كثيرة؟ ان صح ذلك فإنه يجعل نجاح انابوليس اكثر وجوبا حتى لا يكرس الفشل المزيد من الاخفاقات ويأتي بنتائج مغايرة للمطلوب.

ليس من السهل ايجاد سابقة لحالة مثل تلك التي احاطت بظروف لقاء انابوليس من حيث الارتباك في الفكرة والمعنى والهدف والاخراج والمضمون والمشاركين.

لقد احبطت اسرائيل كل جهد للتوصل حتى الى صيغة شكلية قادرة على تسهيل الادعاء بمسوغ، بوعد بالتقدم، وربما بانجاز قيد التنفيذ، وعندما يأتي وقت التنفيذ فلكل حادث حديث. حتى هذا لم يتحقق، والحديث قبل يوم واحد من عقد المؤتمر، الذي تقلصت مدته الزمنية لحدها الادنى، الحديث عن نفي ضرورة بيان ختامي بسبب العجز عن الاتفاق حتى على بيان.

الحديث الان، ونحن على بعد ساعات من عقد اللقاء، تقلص الى مجرد اعتبار اللقاء في حد ذاته نجاحا، واتفاق الجانبين على البدء بالتفاوض بعد اللقاء انجاز!

وهل يحتاج "اتفاق الجانبين" لكل هذا الضجيج ولمؤتمر بهذا الحجم؟! اليس المفروض ان المفاوضات مستمرة منذ مدريد عام 1999، وماذا جد الان حتى نتوقع نتائج افضل من كل ما تحقق، وكل ما قاد المنطقة الى مزيد من التوتر والعنف وفقدان الامل والامن والامان؟!

الحقيقة التي سيصعب على الجميع ابتلاعها، او الاعتراف بمرارتها، أن فشل انابوليس يعود بالدرجة الاولى لكونه تكرارا للاساليب والصيغ الفاشلة. ولكن ماذا بعد؟

كالعادة ستعود اسرائيل بضوء اخضر لتسريع عمليات الاستيطان والقمع وخلق الحقائق على الارض. وستتكرس الفرقة والانقسام الفلسطيني وسط تبادل الاتهامات والتمترس وراء المواقف، وستزداد عوامل الاستقطاب في المنطقة بين متطرف ومعتدل، لكن من شأن الفشل ان يعزز التطرف، ويقوي ايدي المتشددين على حساب ما تبقى من العقلانية والاعتدال الحقيقي والواقعية العادلة.

قيل الكثير في المنطقة وفي خارجها ان انابوليس هو الفرصة الاخيرة. لكن اكثر ما قيل في هذا السياق ليس لاقرار حقيقة مسلم بها بقدر ما كان يهدف لحشد التأييد للقاء والمشاركة.

الحقيقة ان انابوليس ليس الفرصة الاخيرة، كما انه لم يكن فرصة على الاطلاق. لم يكن لقاء انابوليس سوى محاولة اخرى غير ناضجة لاعتمادها الاسس غير القويمة، والامل ان تكون المحاولة الاخيرة في مسلسل التجارب الفاشلة قبل ان يحين الوقت للتحضير لفرصة حقيقية لبحث ملف السلام العربي- الاسرائيلي برمته وفق مبادئ القانون الدولي والعدالة.

سفير الأردن السابق في الأمم المتحدة

التعليق