زراعة الابتسامة

تم نشره في الأحد 7 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 02:00 صباحاً

بين الحين والآخر نسمع شكاوى وتذمرا وقصصا من مواطنين عن سلوك لمسؤول يحرم مواطنا محتاجا او صاحب معاناة كبيرة من عطف وعون يكاد يصله، فجزء من معادلات الدولة لجوء المواطن حتى في معاناته العادية الى صاحب القرار، ومما عزز هذه المعادلة الايجابية ان المواطن يتوقع دائما صوتا يستجيب لصوته او لمناشدة او تظلم يقدمها.

وبعيدا عن القصص والامثلة فإن هنالك قواعد واساسيات في الادارة والحكم لكنها جميعها تهدف الى امور منها: تعزيز علاقة المواطن بالدولة، وانشاء علاقة حميمة بل وتفصيلية احيانا بين صاحب الامر والناس، حين يشعر المواطن انه قادر على ايصال صوته وشكواه ومعاناته مهما كانت خاصة لصاحب الامر، وربما هنالك هدف آخر يجمع ما بين السياسة والجانب الانساني وهو صناعة الفرح والارتياح وزرع الابتسامة.

 هذا الامر الاخير يحتاج الى مواصفات عالية جدا، وبنية انسانية ونضج سياسي متقدم تجعله يدرك معنى ان يزرع مسؤول ابتسامة فرح في اجواء عائلة اردنية، سواء بفك كربة او فتح آفاق لحل مشكلة.

البعض يتعامل مع حاجات الناس بشكل إداري وعلى قاعدة انها اوراق وكتب رسمية يعطيها حقها من أوامر الحفظ او التطنيش او تجاوز جوهر المشكلة، ويغيب عنه لنقص القدرات أن الامر ليس إداريا جامدا خاليا من الامور الاخرى، فالورقة التي تكون لدى المسؤول "معاملة" قد تكون بالنسبة لاسرة او شخص مسار حياة او نقطة تحول من الضيق الى الفرج.

وتخيل كم هي الآثار الايجابية سياسيا وانسانيا لتعامل المسؤول مع حاجات الناس بشكل ايجابي، فهي تجعل المواطن بعيدا عن عيون الدولة، ويجلس في بيته فرحا بالفرج ويدعو لصاحب القرار ويرفع يديه لله شاكرا وداعيا، وكم هي الآثار السلبية لسلوك سلبي من مسؤول يجعل مواطنا في بيته يشعر بالغربة والضيق، ويرفع يديه لله داعيا على كل من أغلق ابواب الفرج بوجهه.

ما نتحدث عنه ليس ابعادا انسانيا فقط، بل هو جوهر العمل السياسي، لأن الناس وبخاصة طبقاتهم الكبرى هم مادة الدولة، وهم ركن اساسي فيها، وحين يكون المسؤول ناضجا الى مرحلة يدرك فيها ان كل فعل يصدر من الحكومات او المؤسسات هو فعل سياسي، وجزء من منظومة معادلات الحكم، عندها يكون قادرا على تقدير قيمة ما يفعل.

حتى لو عدنا للتاريخ، فإن كثيرا من الناس أول ما عرفوا مثلا عن مدرسة عمر بن الخطاب في الحكم والعدل حكايته مع الأم التي كانت تطبخ لاولادها الحصى، ودرسنا في المدارس والمساجد حكاية "عمر بن الخطاب والاثواب اليمانية"، يوم ان احتج عليه احد الصحابة لأنه رآه يلبس ثوبا كاملا رغم طول قامته، لهذا على من يكونون في أعين الناس ممثلين لصاحب القرار، ان يعلموا انهم ليسوا اداريين، وان عليهم ان يحاولوا تمثل خلق صاحب الامر.

الناس تفرح لفك كربتها او تخفيف معاناتها، ويجتاحها الانتماء الفطري عندما يصلها تعاطف فطري تدرك صدقه من صاحب الامر او من يمثله، ولهذا فمن حمل لقبا او احتل موقعا يتعامل معه المواطن باعتباره الدولة، عليه ان يعي بأن المواطن لا يفرق بين السلوك الشخصي لهذا المسؤول وممارساته الوظيفية، فأحدنا قد يتهم كل الدولة بالتقصير اذا دخل مؤسسة ورأى فيها موظفا كسولا او يتعامل بفوقية، فكيف عندما يكون الموظف مسؤولا رفيعا وربما رفيعا جدا.

لا يستحق ان يقف حاجبا بالمفهوم السياسي للقب، او ان يكون قناة تواصل مع الناس إلا من كان صاحب قلب، وايضا صاحب عقل وحكمة، ويدرك انه ليس موظفا يوقع معاملات او "يلصق" طوابع، بل يمارس جزءا من الحكم، ومن يزرع ابتسامة في عائلة ويجلب الدعاء لصاحب القرار يمارس دورا امنيا واجتماعيا وسياسيا.

ومن يعجز عن زراعة الفرح بل يصنع ما هو عكس هذا فضرره كبير ووجوده عبء على الدولة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »خلق صاحب الامر (ابو مصطفى)

    الأحد 7 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    اخي الكريم سميح
    لو ان جميع من يعمل في الجهاز الحكومي من رأس الهرم حتى ادنى موظف يتمثلو بخلق صاحب الامر لأصبحنا نعيش ليس في دوله ولكن فيالمدينه الفاضله ولكن ما نراه كأن هؤلاء يعيشون زمن الاستعمار العثماني لا يدركون انهم عليهم الامتثال لخلق صاحب الامر وانهم عليهم تمثيله بكافة مواقعهم
    اطال الله عمر ابو حسين حتى يوصل الرساله لكل هؤلاء بكيفية ان يكون كل في موقعه اب للمواطن الاردني وليس سجانا له