الكونغرس لا يضيع وقته

تم نشره في الجمعة 5 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 02:00 صباحاً

هل لدى الكونغرس الأميركي وقت فائض حتى يضيعه بإصدار قرار غير ملزم لإدارته بتقسيم العراق الى ثلاث دول وأقاليم على أسس طائفية وعرقية لكل من السنة والشيعة والاكراد؟ وهل غاب عن اذهان اعضاء الكونغرس، من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ومن خلفهم اللوبي الصهيوني ان الكونغرس مجلس تشريعي لأميركا وليس من صلاحياته ان يقرر تقسيم الدول الاخرى او تحديد شكلها السياسي والطائفي؟

المنطق يقول ان الكونغرس ليس مجلسا نيابيا لدولة مختلفة، ومعادلات الكونغرس مستغرقة في العقائدية الصهيونية ولوبيات النفط وتجارة السلاح، وحين يصدر قرارا بتقسيم العراق فإنه لا يتوقع ان يقبل العرب ولا معظم العراقيين بهذا، لكن مثل هذه القرارات جزء من حكاية طويلة وقفت وراء العدوان على العراق، هذا العدوان الذي يجب ان لا ننسى، رغم كل التفاصيل، انه جاء على ارضية فكر صهيوني وتحقيقاً لأهداف كيان الاحتلال فضلا عن ابعادها النفطية والسياسية.

وهذا القرار يجعلنا نقف عند سؤال مهم: هل تريد اميركا استقرار العراق؟ وهل هي حريصة على بناء دولة وعلى الاقل حكومة عراقية قوية وإيقاف العنف والقتل وتفجيرات قتل الابرياء؟!

وهل على اجندة ادارة الاحتلال تحقيق توافق سياسي؟ وهل سعت بشكل جاد لوقف نشاط الميليشيات التي عاثت فسادا وقتلا وهجرات وصنعت واقعا يسمى الجثث المجهولة؟

الاجابة عن هذه التساؤلات واحدة؛ وهي ان المصلحة الحقيقية لأميركا الا تقوم للعراق قائمة، وان يتم تقسيمه ليس بالضرورة إلى ثلاث دول، بل إلى حارات وميليشيات، ولهذا أقامت النظام السياسي كله بعد الاحتلال على اساس طائفي، وأنشأت اجهزة الامن باعتبارها تمثل طائفة، ومن المؤكد ان الاحتلال وشركات الامن الاميركية جزء من آلة القتل اليومية والتدمير والتفجيرات.

إدارة الرئيس بوش لا تريد تقسيم العراق الى ثلاث دول بين السنة والشيعة والاكراد، بحيث تكون هذه الدول حقيقية وقابلة للحياة، بل تريد صناعة واقع يكون فيه التقسيم مطلبا للعراقيين للتخلص من القتل والتفجيرات والميليشيات، تريدها ثلاث مناطق اولوياتها ان تواجه كل واحدة منها الاثنتين الأخريين، وأن يكون بأسها بينها، وان تبني كل منها تحالفاتها الخارجية فهي تواجه خطر الجزءين الآخرين.

هنالك مأزق يواجه قوات الاحتلال نتيجة أعمال المقاومة الشريفة، لكن إشعالها نار الفتنة الطائفية قدم لها خدمة كبيرة وجعل قبائل وعشائر وقوى سنية كانت تمارس المقاومة تقف مع الاميركيين في وقف المقاومة وإنشاء قوى عسكرية لها مهمتان؛ الاولى مواجهة ميليشيات الموت الطائفية والتصدي لتنظيم القاعدة، اي ان خصومها واصدقاءها يتناوبون من وإلى الحضن الاميركي.

هنالك مأزق تواجهه اميركا في العراق لكنها حققت الكثير من اهدافها فقد دمرت وفككت الدولة العراقية ومؤسساتها، ووضعت لها جيوشا اضافية في المنطقة، وسيطرت على مناطق نفطية ذات انتاج وفير واحتياط كبير، وقدمت خدمة كبيرة للمشروع الصهيوني فضلا عن الابعاد التجارية من تشغيل شركات المرتزقة ومصانع السلاح.

لو جاءت اميركا لبناء عراق قوي متماسك لقلنا انها فشلت، لكنها جاءت لتدمير ما كان ولتبني كيانا هشا يحمل في داخله عوامل موته وضعفه من طائفية وفساد، والاهم انها صنعت كيانا لا يستطيع ان يعيش دون حماية الاحتلال، وحين يتم القول ان قتلى الجيش الاميركي (3000) جندي فهذا ثمن قليل لعدوان عقائدي نفطي اقتصادي.

مرة اخرى؛ لم يكن الكونغرس يضيّع وقته وهو يقرر تقسيم العراق وانما يضع السيناريو القادم. لكن لنتذكر انه قرار رحب به الاكراد، وهو استجابة لما طرحه قادة الشيعة من فدرالية طائفية، وربما يجد فيه بعض السنة حماية لهم من ميلشيات القتل، لكنه في محصلته ذهاب بالعراق الى نقطة ضعف لا يمكن استدراكها.. وضع لثلاث دويلات تخاف كل منها الأخريين.

[email protected]

التعليق