ما دلالة معركة "نهر البارد"؟

تم نشره في الأحد 9 أيلول / سبتمبر 2007. 02:00 صباحاً

من رابع المستحيلات تجاهل أهمية ما أسفرت عنه من نتائج سياسية حرب مخيم نهر البارد. كانت حرباً أخرى على لبنان بهدف إلغائه عن طريق البدء باقتطاع جزء منه وتحويله "إمارة إسلامية" على غرار ما آل إليه قطاع غزة. وحده الأعمى لا يستطيع رؤية ما يجري في لبنان والتحولات التي يشهدها البلد خصوصا بعد "حرب المخيم الفلسطيني"، التي كانت حربا بكل معنى الكلمة.

يتبين من ردود الفعل على نتائج ما حصل في نهر البارد، كم كانت هذه الحرب مهمة وكم يمكن اعتبارها نقطة تحول على صعيد لبنان ككل، لا لشيء سوى لأنها أكدت أن هناك قرارا سياسيا في لبنان وأن هناك حكومة قادرة على اتخاذ القرار وتحمل مسؤولياتها.

هناك لبنانيون، من السنة خصوصا، على استعداد للوقوف في وجه المد الأصولي الذي ترعاه جهات إقليمية معينة. وحده قرار الحكومة جعل الجيش اللبناني فعالا. وحده قرار الحكومة سمح بالذهاب إلى النهاية في المعركة الهادفة إلى إثبات أن هناك قرارا سياسيا مستقلا في لبنان وأن من يعتدي على الجيش اللبناني لا بد أن يعاقب.

كان القرار السياسي بالذهاب إلى النهاية في حرب المخيمات دليلا على وجود قرار مستقل يرتكز على شعار "لبنان أولا". بعد حرب مخيم نهر البارد لم يعد هذا الشعار كلاما فارغا. صار حقيقة، أو على الأصح اقترب من أن يصير حقيقة لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها.

ولعل أهم ما كشفته حرب مخيم نهر البارد أن الجيش قادر على أن يكون جيشا متى توافر الغطاء السياسي ومتى لا يكون على رأس السلطة التنفيذية شخص على استعداد للبيع والشراء. ولا بد من الإشارة في هذا المجال إلى أنه لو كان عهد الوصاية مستمرا، لكان رئيس الجمهورية تدخل من أجل منع الذهاب بعيدا في حرب مخيم نهر البارد تماما كما حصل عندما امتنع عن الإقدام على أية خطوة لدى اغتيال القضاة الأربعة في صيدا في بداية عهده.

أكدت حرب مخيم نهر البارد أن الجيش اللبناني جيش حقيقي، بكل معنى الكلمة، وأن الحاجة إلى توفير إمكانات تجعل منه قادرا في المستقبل على مواجهة التحديات الجديدة التي سيواجهها. والأهم من ذلك كله أن الشعب اللبناني كله، بكل طوائفه وفئاته، وقف خلف الجيش رافضا أن يأخذ في الاعتبار التحفظات التي صدرت عن المشككين بدور هذه المؤسسة الوطنية الذين انقسموا إلى فريقين.

كان هناك، أولا، فريق يعتبر مخيم نهر البارد "خطا أحمر". هذا الفريق هو "حزب الله" الذي يخشى من أي دور للجيش ومن أي تقليص للمربعات الأمنية الخارجة عن سلطة الدولة على الأرض اللبنانية. إن منطق "حزب الله" مفهوم ومبرر نظرا إلى أن تطلعات الحزب لا علاقة لها بلبنان لا من قريب ولا من بعيد.

كان هناك فريق آخر يخشى من تحقيق الجيش انتصارا في مخيم نهر البارد. لعلّ أفضل من يعبر عن هذا الفريق الجنرالان اميل لحود وميشال عون. سارع الجنرالان إلى الرد على الانتصار الذي تحقق، وهو الأول من نوعه في تاريخ لبنان، عن طريق الدعوة الى إجراء تحقيق في ملابسات وصول عناصر "فتح الإسلام" إلى مخيم نهر البارد. الهدف واضح كل الوضوح؛ يتمثل في السعي إلى النيل من الرئيس الشهيد رفيق الحريري وعائلته باستخدام أكاذيب لا تنطلي سوى على الأغبياء من نوع  أن عناصر عصابة "فتح الإسلام" كانت مرتبطة بآل الحريري وبحكومة فؤاد السنيورة!

معذور "حزب الله" عندما يدافع عن "فتح الإسلام"، خصوصا أنه لا يرى ضررا في انتشار عصابات من هذا النوع وتمددها في الأراضي اللبنانية، خصوصا في الشمال حيث أكثرية سنية. لكن لا عذر لإميل لحود وميشال عون اللذين يدعيان أنهما يريدان مصلحة لبنان. قبل الحديث عن مصلحة لبنان عليهما التعامل مع ألف باء السياسة. قبل التطرق إلى عصابة "فتح الإسلام"... عليهما الإتيان بمن يقول لهما إن زعيم العصابة كان سجينا في سورية ودخل لبنان من الأراضي السورية. عليهما أن يتعلما ما هي "فتح- الانتفاضة" التي ورثتها "فتح الإسلام". لا مانع أن يتعلم الإنسان حتى حين يكون في سن متقدمة وفي أرذل عمر، لعل بعض العلم يخفف من حقده.

على اميل لحود وميشال عون أن يتذكرا لدى محاولتهما الخروج بإيحاءات معينة، أن قرار الحكومة باستخدام الجيش للتصدي لعصابة شاكر العبسي قطع الطريق على مخطط سوري في غاية الخطورة يستهدف تحويل شمال لبنان قاعدة لـ"القاعدة" وما شابهها بهدف القول للعالم أن هذه نتيجة خروج القوات السورية من لبنان.

مرة أخرى لم تكن الحسابات السورية دقيقة. لم يكن الجيش اللبناني قادرا على التصدي لـ"فتح الإسلام" بفعالية لولا احتضان أهل الشمال، ومعظمهم من السنة. لعب المواطنون العاديون دورا أساسيا في حماية الجيش وتوفير الدعم له. لقد رفع أهل السنة في الشمال، كما في كل أنحاء لبنان، شعار "لبنان أولا" عاليا مظهرين مدى إخلاصهم للشعار ومدى استعدادهم لوضعه موضع التنفيذ.

ما حصل في مخيم نهر البارد يختصر التحول الذي طرأ على اللبنانيين، خصوصا على السنة؛ الآن لا جيش للسنة وغير السنة غير الجيش اللبناني. كانت تلك خطيئة النظام السوري الذي يرفض أخذ العلم وأن هنالك شعورا وطنيا حقيقيا لدى اللبنانيين، جميع اللبنانيين، وأن كل رهاناته على أن المجتمع اللبناني غير قابل على بناء دولة متى توافرت له الظروف في غير محلها.

اليوم فوجئ النظام السوري بالسنة في شمال لبنان. أمس فوجئ بالدروز. وقبل ذلك فوجئ بالمسيحيين وسيظل يفاجأ بهم. ليس بعيدا اليوم الذي سيفاجأ بالشيعة يرفعون بدورهم شعار "لبنان أولاً"!

من قال أن لبنان ليس بلد المفاجآت التي ليست في الضرورة سيئة كلها! هناك مفاجآت لبنانية يمكن أن تكون حلوة... مثل مفاجأة مخيم نهر البارد.

كاتب لبناني

التعليق