د.باسم الطويسي

المصالحة الوطنية والفصام النكد

تم نشره في الخميس 30 آب / أغسطس 2007. 02:00 صباحاً

تبدو مسألة المصالحة الوطنية هي السمة الغالبة على الخطابات الداعية للتغيير في العالم العربي خلال السنوات الخمس الماضية على اقل تقدير، وخطاب المصالحة الوطنية هو الذي يغلف مثلث الأزمات والحروب العربية الراهنة في العراق ولبنان وفلسطين بغلافه الهش وبدون جدوى، فلا تخلو نشرة أخبار أو تصريحات تُباع لاستهلاك الرأي العام من الحديث الدائم عن الحاجة إلى المصالحة الوطنية وضرورتها.

حديث المصالحة الوطنية يتردد في معظم المجتمعات العربية بكثافة ولم يأتِ بتراكم حقيقي طوال هذه الفترة، وكأنه يدلل على أنها مجتمعات ما تزال بالفعل في مرحلة ما قبل الدولة الوطنية.

المفارقة أنّ المجتمعات الواقعة تحت نير احتلالات قاسية أو تدخل دولي سافر هي الأكثر حاجة للمصالحة، وهي في الوقت نفسه الأكثر بعدا عن التفاهم الوطني، والأكثر رضوخاً لحالة سياسية اجتماعية شاذة من الفصام النكد، كما يبدو في حالات العراق وفلسطين ولبنان، الذي يظهر في بعض اللحظات انه خصام متجذر في الوعي والممارسة معاً، وتعاني منه القواعد والنخب والقيادات ويكرسه الاحتلال والتدخل الدولي، ما يناقض كل خبرات التاريخ وتجارب الشعوب التي تتوحد وتلتقي في ظروف مشابهة، أو حينما تفرض عليها تحديات خارجية.

ورغم المجاهدة الفكرية والتربوية الطويلة والنقد الذاتي الذي طال كل شيء خلال العقود الماضية، فالنتائج تكذب المقدمات، بل تؤكد تيار الخيبة الذي تجسده بشكل سافر الفجوة التي يعاد تدويرها التي تبعدنا مسافات زمنية طويلة عن وعي كنه الدولة الوطنية ومتطلباتها الأساسية، وإذا ما أخذنا أمثلة مثّلث الاحتلالات والأزمات (العراق وفلسطين ولبنان) جانبا، فإن مركزية خطاب المصالحة تهيمن بدون نتائج واقعية في الكثير من المجتمعات العربية، وتدير تفاعلات تظهر وكأنها تجري بين الدولة والمجتمع، وهذا يُلمس في السودان والجزائر وتونس والمغرب واليمن وبدرجة اقل حدة وبروزا في مجتمعات أخرى.

وفي الحقيقة إنّ هذه التفاعلات لا تدور بين المجتمع والدولة، بل بين نخب أُنهكت في الصراع حول الموارد والسلطة وتحاول تحميل هذا الصراع بمضامين ومفاهيم متناقضة حول السلطة والهوية والثقافة.

صحيح أن خطاب المصالحة يدل على تطور في الانتقال من فكرة الثورة والانقلاب إلى فكرة التوافق والتفاهم؛ أي الاقتراب من الأساس الموضوعي لنضوج الوطنية، والسعي المشترك إلى وضع حد لاحتكار السلطة واستبدال أدوات العنف في إدارة شؤون الدولة والمجتمع بأدوات سلمية. ومع هذا فإن الحديث الذي يستهلك كل هذا الزخم حول المصالحات لم يدخل الأطراف الطبيعية التي لا تقوم المصالحة إلا بينها فما زالت مشاريع المصالحة ذاتها اقصائية وأول ما تهمش المجتمعات. 

يبدو برهان غليون أكثر تفاؤلاً حينما يناقش نمو ظاهرة خطاب المصالحة الوطنية، فهو يرى أنه يعبر عن تطويرين مهمين حصلا في السنوات القليلة الماضية، الأول يفصح - حسب رأيه- عن تنامي الشعور عند الطبقات الاجتماعية المختلفة بالغبن الواقع عليها نتيجة الإقصاء الممارس ضدها وتغيير الأوضاع الدولية والإقليمية، وهو ما كان صعباً في العقود الماضية على خلفية عجز الوعي السياسي وهيمنة الأيدولوجيات. والتطور الثاني يتلخص بشيوع نوع من الواقعية والبراغماتية التي ترافق الوعي السياسي الراهن، والذي يدل على حجم التهميش والإقصاء الجماعي، وعلى قبول الطرف الضعيف بتسوية غير عادلة بشرط أن يقبل الطرف القوي بوضع حد للعلاقة الشاذة والعودة إلى حكم القانون.

ولعل هذا التطور قد يفسر، من جهة أخرى، حجم النقمة التي ولدها هذا الوعي الشقي، والتي تم تدويرها وإعادة إنتاجها في تكريس الفصام النكد، كما يجري تجسيدها اليوم بأقسى وأبشع الصور على الساحات العراقية واللبنانية والفلسطينية، باسم البحث عن المصالحة الوطنية وتحت شعاراتها، فمسارات المصالحة تُجسد للأسف المزيد من أدوات التصفية المتبادلة والمزيد من مشاعر النقمة لأنها -للأسف- لا تدور بين أطراف طبيعية بل بين نخب مصابة هي الأخرى بالفصام، وأحيانا بين عصابات طالما صادرت الأوطان، لذا ليس غريبا المآل الذي تنتهي إليه هذه المصالحات، المزيد من النقمة والاقتتال بدلا من التسوية والرضوخ لمبدأ التنازلات كما يحدث عادة في التاريخ.

المجتمعات العربية إلى هذا الوقت لم تصل بعد إلى اللحظة التي تخولها الحكم على خطاب المصالحة الوطنية الذي بات شعارا مركزياً في معظم التفاعلات السياسية المحلية، لذلك نجدها تلهث وراء هذا الشعار وتصاب بالخيبة في كل مرة.

يجب أن نعترف ان المجتمعات العربية ومعظم نخبها بكافة مستوياتها الثقافية ومرجعياتها تفتقد ثقافة التفاوض وبناء الثقة على المستوى المجتمعي المحلي، وحتى مشاريع التغيير القادمة من وراء البحار لا تلتفت لهذه المسائل السياسية والمجتمعية المحلية، فهي أساس بناء الدولة الوطنية والمدنية المعاصرة قبل أن تكون من أبجديات الذاهبين إلى المصالحة، التسلح بثقافة مدنية قابلة لبناء الثقة داخل المجتمع ستكون لحظة فارقة في بناء الدولة الوطنية، بينما لن يحقق هؤلاء الذاهبون إلى ما تسمى المصالحات الوطنية وتحت آباطهم حرابهم وجيوبهم مملوءة بالمتفجرات إلا إعادة تدوير النقمة.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق