لبنان: القديم إذ يموت فيما الجديد لا يولد

تم نشره في الثلاثاء 28 آب / أغسطس 2007. 03:00 صباحاً

كتب أليكسيس دو توكفيل، ذات مرّة، أن أحد أسوأ ما تعانيه المجتمعات هو أن يموت القديم فيها من غير أن يولد جديد. وإذا ما وضعنا التفاصيل السياسيّة جانباً، فهذا ما يلخّص وضع لبنان الراهن والكثير من بلدان العالم العربيّ، لا سيّما المشرق.

ففي1975، انهارت الصيغة التي قام عليها لبنان الذي استقلّ في1943، وبعد عقد ونصف العقد وُضعت له صيغة أخرى هي التي عُرفت بـ"الطائف"، نسبة الى المدينة السعوديّة التي تمّ فيها التوصّل الى اتّفاق الأطراف اللبنانيّين. لكن صيغة الطائف لا تزال اليوم موضع رفض(غير معلن في الغالب) من بعض القوى الأساسيّة. وحتى حين كان القبول بها سارياً، ارتبط ذاك بالوجود العسكريّ السوريّ وسيطرته على شروط التعاقد السياسيّ بين اللبنانيّين.

وهي مقارنة تلخّص المعنى الذي قصده دو توكفيل مطبّقاً على ذاك البلد الصغير. بيد أن القديم الذي مات في1975، مثله مثل الجديد الذي لم يولد في 1990، لا يقتصران على صيغ حكم وسلطة، أو أن هذه الأخيرة، بالأحرى، لا تعدو كونها تكثيفاً لعناصر أخرى كثيرة تقيم في الديموغرافيا كما في الثقافة والاقتصاد.

ففي القديم الذي مات أن المسيحيّين انخفضت أعدادهم من أكثر من نصف السكّان، إبّان الاستقلال، الى ثلثهم اليوم. وترافق التراجع هذا مع هزائم مُرّة حصدوها في جبل لبنان والضاحية الجنوبيّة ومناطق عدّة شهدت مجابهات عسكريّة في الثمانينيات. لكن موقع المسيحيّين في الاقتصاد الوطنيّ اهتزّ أيضاً، ليس فقط بسبب هجرة شبّانهم وتدمير الكثير من منشآتهم ومشاريعهم خلال الحرب، بل بسبب صعود قوى اقتصاديّة أخرى تتصدّرها دورتا المال المتّصلتان برفيق الحريري كما بالمعونات الإيرانيّة لـ "حزب الله".

وبمعنى مشابه، يجوز القول إن المنظومة الثقافيّة التي أنشأها المثقّفون المسيحيّون، وشكّلت عماد الإيديولوجيا السائدة بين1943 و1975، انهارت بدورها. ذاك أن الرقعة التي شغلتها كتابات جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة، وتعاليم شارل مالك وجواد بولس، وأغاني وديع الصافي وفيروز، تقلّصت كثيراً مثلما ضعفت الحساسيّة المستجيبة لتلك المناشدات الرومنطيقيّة والخطابيّة ذات المنشأ الريفيّ. 

أما في الجديد الذي لم يولد، فيتصدّره مناخ إقليميّ ودوليّ نشأ بعد11 أيلول(سبتمبر)2001 حائلاً دون وصول لبنان الى تسوية كتلك التي أُبرمت في 1943 أو 1958. ذاك ان الاستقلال ما كان ليتمّ أصلاً لولا درجة بعيدة من التلاقي بين المصالح العربيّة(المصريّة والعراقيّة والسوريّة والسعوديّة أساساً) والمصالح الغربيّة، لا سيّما الأميركيّة والبريطانيّة. وهو ما تكرّر أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات في ظلّ المساومة التي انعقدت بين الولايات المتّحدة الأميركيّة ومصر الناصريّة. غير أن حدّة الاستقطاب الراهنة التي تتّسم بها العلاقات الأميركيّة والإيرانيّة والسوريّة تجعل المثلين السابقين أقرب الى ماض ميّت وفرضيّة مستحيلة.

وأهمّ من هذا أن الطائفتين اللتين صعدتا الى الصدارة، بعد الضمور المسيحيّ، أي السنّة والشيعة، يربط بينهما تنافس تعادليّ حادّ يحول دون بلورة قوّة موحّدة تمسك بمسار البلد وحركته. فهما متساويتان في العدد، أولاهما وجدت في الحريري قيادتها، وفي بيروت مرتكزها ونُصبها، وفي"الإعمار" تخصّصها، كما تحالفت مع الأنظمة العربيّة السنيّة الموصوفة بالاعتدال، والثانية عثرت على ضالّتها القياديّة في"حزب الله"، ورأت الى الضاحية الجنوبيّة مرتكزاً ونُصباً، كما تخصّصت في"المقاومة"، متحالفة مع النظام الشيعيّ في إيران، واستطراداً مع النظام السوريّ.

في الوقت نفسه، وبسبب ارتباط دورتي المال الحريريّة والإيرانيّة بطائفتين بعينهما، ولو أن الدورة الأولى بقيت أوسع وأرحب نسبيّاً، توطّد اقتصادان طائفيّان موازيان للاقتصاد الوطنيّ بدل أن ينشأ اقتصادان فرعيّان مندمجان في الاقتصاد الوطنيّ. أما على الصعيد الثقافيّ والقيميّ، فانكفأت الحريريّة عن هذا العالم وشؤونه منصرفةً الى المسائل التقنيّة والإجرائيّة، فضلاً عن الانخراط في طفرة الاستهلاك التلفزيونيّة. وفي المقابل، نحا "حزب الله" منحى دينيّاً في عنايته بالشأن الثقافيّ، فاقتصر على تعاليمه المذهبيّة وما ينجرّ عنها من أدبيّات وفنون شديدة التواضع. وغنيّ عن القول إن إنتاجاً كهذا لا يخاطب أيّاً من اللبنانيّين غير الشيعة، بل لا يخاطب أعداداً ضخمة من الشيعة أنفسهم.

وفي هذا التمركُز حول الذات الطائفيّة، بات اللبنانيّون الوحيدون، بالمعنى الكامل، أي غير الطائفيّ، حفنة من المثقّفين والمبدعين الأفراد الذين لا يمثّلون إلا نفوسهم ولا يسعهم، بطبيعة الحال، إنشاء بلد!

هكذا لا يبقى، بين موت القديم وعدم ولادة الجديد، إلاّ العفن الذي نطالعه كلّ يوم ممزوجاً بأسوأ التوقّعات وأشدّها سواداً ورؤيويّة.

التعليق