صدمة التعليم العالي

تم نشره في الجمعة 17 آب / أغسطس 2007. 02:00 صباحاً

أظهرت الداراسة التي أعلن عنها رئيس هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي الدكتور عبدالرحيم الحنيطي، ونشرتها الغد يوم أمس واقعا محزنا لحال التعليم في الأردن، الذي من المفترض انه خضع خلال الأعوام الاخيرة إلى الكثير من المراجعات عبر المؤتمرات الوطنية التي يبدو ان مخرجاتها للآن من الاستراتيجات الوطنية ما زالت دون تقدم بدليل نتائج الدراسة التي اشير اليها.

فالدراسة توضح وجود مخالفات مذهلة في معايير الاعتماد، من حيث عدد أعضاء هيئة التدريس قياسا للطلبة، فقد سجلت في جماعة آل البيت في كلية التمريض نسبة 158 طالبا لكل عضو هيئة تدريس. وفيما تعتبر النسبة العالمية لطلبة الطب مقابل اعضاء هيئة التدريس ثمانية طلاب/ مدرس فهي في كلية الطب في جامعة مؤتة 32 طالبا لكل عضو هيئة تدريس، وهي في تخصص هندسة الحاسوب وتكنولوجيا المعلومات بلغ عدد الطلبة 160 طالبا لكل عضو هيئة تدريس في جامعتي اليرموك والبلقاء، ولو حدث هذا في الجامعات الخاصة لاستحقت انذارا من وزارة التعليم العالي، وهنا تمنح العقوبة لجامعة خاصة على زيادة طالب او طالبين في التخصص فيما هي بجامعات حكومية لا تحصى وتعد.

تطول السلبيات في الدراسة مختلف الجامعات خاصة أو حكومية، لكنها في الحكومية ربما تكون أكثر جسامة لان معايير الاعتماد لو طبقت على الجامعات الحكومية لكان على تلك الجامعات ان تعين ضعف أعداد هيئتها التدريسية، وهذا ليس بمقدورها، في ظل ارتفاع حجم مديونياتها وتراجع دورها التنموي في مجتمعاتها.

بلا شك هناك ازمة في التعليم العالي، اعادت دراسة هيئة الاعتماد تشخيصها وتحديد بعض ملامحها، فتحدثت عن مجمتع المعرفة ونسب البحث العلمي، والتفاعل بين الطلبة ومصادر المعرفة داخل الجامعة، وهذا ما ظهر في نسب استعارة الكتب التي حقق طلبة جامعة الطفيلة الأعلى فيها بحسب الدراسة.

في شهر أيار الماضي كانت خلوة التعليم العالي التي عقدت بحضور رئيس الوزراء وشارك فيها خبراء من مؤسسات التعليم العالي قد توصلت إلى استراتيجية لخمس سنوات، شملت ستة محاور للتطوير وهي: كليات المجتمع والتعليم التقني، والحاكمية والتكاملية في قطاع التعليم العالي، والبحث العلمي والتطوير، والاعتماد وضبط الجودة، والنوعية والمواءمة وتمويل الجامعات.

بحسب المطلعين على سير العملية التعليمة في الجامعات، لا تقوى كثير منها على تنفيذ او السير بتلك الاستراتيجية، إلا إذا ضوعفت موزناتها كشرط اساسي وبخاصة فيما يتعلق بأمر الهيئات التدريسية، ولكن واقع الحال يقول ان مؤسسات التعليم تستطيع ان تنجز حالة معرفية دون الكثير من المؤتمرات والخلوات، ومن ذلك اصلاح الجامعات بحيث تتوجه الجامعة إلى العلمية التعليمة أولا، والبحث والمعرفة ثانيا، ففي تعليمات الجامعات ان كل عضو هيئة تدريس مطالب بإنجاز بحث علمي كل سنة، وهذا ما لا يحدث، وفي كثير من الحالات يدخل الاستاذ الجامعة ويغادرها أو يظل فيها اكثر من عقد ونيف وهو في نفس الرتبة العلمية، مما يظهر أنه فاقد لقدرات البحث العلمي، وهنا على الجامعة ان تمارس صرامتها وتنهي عقد هذا المدرس او ذاك، بمعنى أن الجامعة مطالبة بدفع الاساتذة إلى البحث العلمي بربط التقدم الوظيفي او الاستمرار في الجامعة بالبحث العلمي، ويضاف لذلك الخدمة العامة للمجتمع والمشاركة في التغيير.

اما بالنسبة لتدني ارتياد الطلبة المكتبات الجامعية والتي تدفع لأجلها الجامعات الكثير من المال لشراء المراجع وشراء البرامج، فيبدو أنه لا حل إلا بتكرار تجربة جامعة آل البيت، حين كانت تحتسب 25 درجة من علامات الطالب لانجاز ورقة بحثية، ولكن للأسف هذا التقسيم الغي وتم السير على خطى الجامعات الأخرى بعد ان جاء للجامعة ريئس آخر بعد الدكتور عدنان البخيت، ويذكر طلبة الفوجين الاول والثاني من خريجي جامعة آل البيت كيف كان الطالب لا يجد له مقعدا في المكتبة بسبب ازدحام الطلبة، وكان الموظفون يتذمرون، في حين قاعات المكتبات اليوم خاوية، في اغلب مكتبات الجامعات.

تحتاج الجامعات أيضا إلى مراجعة لتشريعاتها بشكل سريع، وإعادة تعريف نفسها للمجتمع، وفتح آفاق الحرية فيها، للتخلص من كل العبث الذي يخرج علينا به الطلبة بين فترة واخرى. صحيح أنه لا توجد وصفة سحرية لانجاز اصلاح التعليم، في ظل الواقع الحالي، ولا احد ينكر الجهد الذي تبذله وزارة التعليم العالي، لكن المطالب الملحة هي ان نعرف معايير اختيار رؤساء الجامعات مثلا، وان يرتبط مجيء هذا العالم أو ذاك رئيسا للجامعة بحزمة من المشاريع والرؤى المعرفية لاحداث التغيير، كما ان التوسع في فتح كليات علمية مثل الطب والتمريض والذي بات مغناة لبعض الجامعات في الأطراف يجب ان يتوقف، فما فائدة الكليات التي تخرج ممرضين واطباء ما دام لا يوجد في الكليات مدرسون.

كانت خلوة التعليم العالي التي اشرنا اليها اعتبرت أن التحدي الابرز فيما يتعلق بالحاكمية والتكاملية في قطاع التعليم العالي يكمن في عدم توفر خطة استراتيجية حديثة للقطاع أو للجامعات تضمن مأسسة عملية التطوير بالإضافة الى ضعف التنسيق والتكاملية في السياسات والبرامج للهيئات ذات العلاقة بالقطاع. والسؤال ما الذي يدفع جامعتين مثل مؤتة في الكرك والحسين في معان لاستحداث كليات للتمريض في ظل تدني عدد اعضاء هيئة التدريس قياسا للطلبة، صحيح ان المنطقة بحاجة لخريجي تلك الكليات لكن تلك الحاجة يجب ان لا تكون على حساب جودة التعليم، ثم لماذ تم منح تراخيص جامعات للدراسات العليا والتوصيات اليوم تقول بضرورة وقف القبول في الدراسات العليا لشح الاساتذة المؤهلين، كيف يمكن لنا فهم ما حصل؟!

صحيح ان الجامعات الحكومية تواجه أزمات، وفي حين كانت تنظر بريبة وشك إلى الجامعات الخاصة، فإنها جميعا اليوم تدخل مسابقة الكفاءة، وتضطر غير راغبة في الدخول والمنافسة مع الجامعات الخاصة على نفس المستوى وربما تتقدم الجامعات الخاصة، وحدث ذلك، لكن إلى أين نحن ذاهبون؟ نحن لسنا بحاجة للكثير من الجدل حول فقه التعليم العالي واصلاحه، لكن يجب الاعتراف ان دراسة هيئة الاعتماد ونتائجها جاءت صادمة لمن يعرفون كم من الجهد والمال انفق لاصلاح التعليم العالي.

[email protected]

التعليق