د.باسم الطويسي

تصدعات جغرافية أخرى

تم نشره في الأحد 5 آب / أغسطس 2007. 02:00 صباحاً

دخل الصراع حول الشرق الأوسط منذ عدة شهور تحولات جديدة وغير ملاحظة بشكل واضح، ومن المحتمل ان يشكل الجيل الثاني من الاستراتيجيات الدولية الجديدة في المنطقة نمطا آخر من الصراع، بعد ان قارب الجيل الأول الذي ساد نمطه العام منذ احتلال العراق على الانتهاء، حيث طبع الجيل الأول بطابع توالي تفجير الأزمات دون إيجاد الحلول لها، كما هو سائد في السياسة الكثيفة في العراق من دون أفق سياسي، والمرواحة الإقليمية المغلقة في كل من الملف اللبناني والإيراني، ثم التهميش والتفتيت المستمرين للقضية الفلسطينية.

الجيل الجديد من الاستراتيجيات الدولية تُقرأ ملامحه الأولية في تفعيل آليات تقليدية وطرح أخرى جديدة لتصريف الفوائض النفطية الهائلة كما يبدو في صفقات التسلح الجديدة، وفي إعادة تفكيك تحالفات أصبحت تقليدية وإعادة بناء تحالفات جديدة، ويمكن ملاحظة هذه التطورات في الدور الروسي المتلاحق بسرعة على جبهة الفصائل الفلسطينية وفي التفاهمات الأميركية- الإيرانية المنتظرة، كما هو الحال في الدراما الفرنسية في شمال أفريقيا، والأمر ينسحب على تفريغ الأزمات الراهنة في أزمات جديدة، وهنا يجب الانتباه الى اليوم التالي للصيغ التي يتم من خلالها تفريغ الأزمات المزمنة مثل قرار مجلس الأمن الأخير حيال ملف دارفور أو اتجاهات أزمة السلطة في لبنان.

وعلى الرغم من الكثافة السياسية التي اتسم بها الصراع في الشرق الأوسط خلال السنوات الأربع الماضية إلا ان نمط الجغرافيا السياسية التقليدية قد حافظ على استقراره؛ لم تولد كيانات جديدة، ولم تزول دول، ولم تتفكك بشكل كامل مجتمعات أو دول أخرى، بينما تبقى كل البذور التي زرعتها هذه المرحلة من فوضى وحروب أهلية وأزمات وصراخ سياسي قابلة للحصاد في الجيل القادم من استراتيجيات الصراع التي من المحتمل ان يكون عنوانها البارز التصدعات الجغرافية العميقة. 

احتمالات التحول كيفية وليست تراكمية فقط كما تعودنا، من التهديدات التقليدية التي ما تزال مستمرة بل وتتفاقم إلى تهديدات فوق تقليدية.

فالمنطقة بقيت توصف منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بأنها غير مستقرة وربما أكثر أقاليم العالم توترا ولكنها لم تشد تصدعا عميقا، فقد شهدت خلال هذه الحقبة (8) حروب تصنف على أنها حروب نظامية رئيسية، شاركت فيها (14) دولة من دول الإقليم في دائريتي الصراع العربي الإسرائيلي والخليج، يضاف إلى تلك (5) حروب أهلية، (36) صداما مسلحا بين دول المنطقة ذاتها، و(16) صداما مسلحا بينها وبين أطراف من خارج الإقليم، وقدر هائل من أعمال العنف الداخلي، ما يعني ان الإقليم بما فيه العالم العربي لم يعرف الاستقرار السياسي خلال خمسة عقود خلت، ومع هذا حافظ على نمط واضح من التفاعلات، بينما تشير التطورات منذ صيف العام المنتهي بأن الحال تتدهور في اتجاهات أكثر حدة وسرعة، وان المنطقة باتت تتجاوز بالفعل سمة عدم الاستقرار إلى مستوى من التفكك الذي قد يصل إلى فوضى حقيقية. وأول ملامح التهديدات فوق التقليدية تبدو في حقيقة وجود شرق أوسط متصدع بشدة وتحت التشكيل، وحملت الأحداث شهادة واقعية على حجم التصدعات وقوتها التي تحفر عميقا في الجغرافية السياسية وتشكيلاتها الاجتماعية والثقافية، وفي وسط هذا الإقليم المتصدع يوجد بقايا نظام إقليمي عربي ضعيف ومترهل قابل للقسمة والتقاسم بين كل الفرقاء.

يبدو ان التفاعلات الجارية على الأرض والممتدة على مدار العام كانت أسرع من قدرة الأطراف الدولية والنظم السياسية المحلية والمؤسسات على استيعابها أو التعامل بالحد الأدنى مع متطلباتها، ويتضح ذلك في حالات تفاقم الاشتباك العراقي الداخلي مع استمرار الاحتلال والنفوذ الإقليمي، والأزمة اللبنانية وملف الحرب والسلام في السودان، وتأثيرات الملف النووي والنفوذ الإيراني، وعودة الصراع حول الصومال، وقبل ذلك تراجع مكانة القضية الفلسطينية لصالح استمرار صراعات الفصائل الفلسطينية وغيبوبة حركة التحرر الوطني.

في المجمل الخوف الحقيقي ليس من تراجع مكانة العالم العربي في العالم في ضوء هذه التداعيات، بل من احتمالات تشكل نظم اقاليمية فرعية جديدة ومتنافرة، أي اننا أمام تصدعات جغرافية قادمة، وخطورتها الحقيقية تكمن في ان جزءا منها قادم من داخل الإقليم ذاته.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تفريخ الأزمات (Musa Nawafleh)

    الأحد 5 آب / أغسطس 2007.
    ان عملية السلام المتعثرة منذ ولادتها وإحتلال العراق وحرب لبنان الأخيرة ومشكلة حماس وفتح وقرار مجلس الأمن الأخير بخصوص دارفور وإحتلال الصومال تشكل برمتها أزمات تم تفريخها لإحتواء الأزمة والمشكلة الحقيقية ألا وهي القضية الفلسطينيةوإحتلال العراق ثانيا، ولكن من المستفيد من هذا كله؟؟؟ أليس الدولة الصهيونية؟ علينا أن نفيق جميعاً لما يحاك لنامن مصائب وويلات، علينا أن نحل مشاكلنا بأيدنا دون الاستعانة بالمحتل ، ماذا قدمت امريكا غير الوعود الكاذبه والضمانان غير النزيهه؟ ماذا جنينا من كذب هؤلاء من وجود اسلحة دمار شامل في العراق؟؟ نحن لا نصحو من مصيبة إلا على وقع مصيبة أخرى اشد.
    ان ما يخطط لهذالمنطقة ليس سهلاً ولا ينشر عبر صفحات الجرائد والانترنت، المطلوب هو أن نفيق من سباتنا !!