د.باسم الطويسي

جُرح الثقة

تم نشره في الأربعاء 1 آب / أغسطس 2007. 02:00 صباحاً

لم اذهب شخصيا للمشاركة في الانتخابات البلدية، ولا يعود ذلك لكل أسباب تبرير ضعف المشاركة الانتخابية المتداولة، بل لأنه لا بلدية لي مثلي مثل 35 الف من سكان وادي موسى والقرى والبلدات المجاورة للبتراء، بعد ان ألغيت واحدة من أقدم بلديات المملكة وحل محلها مجلس تنظيمي باسم مجلس تنظيم إقليم البتراء يتم اختيار رئيسه وأعضائه بالتعيين.

الناس هنا لم يقطفوا لا بلح اليمن ولا عنب الشام، فحينما رضوا بالصيغة التنظيمية الجديدة وتنازلوا عن حقوقهم في التمثيل؛ كان طموحهم ان يرتقي أداء المجلس في توفير البنى التحتية والبيئة الملائمة للحياة والاستثمار، كما حدث في العقبة، لكن الذي حدث انهم فقدوا حقوقهم في التمثيل في الإدارة المحلية، بينما كانت صيغة الإدارة المحلية الجديدة اضعف من بلدية مترهلة.

المشكلة في حجم الإحباط الذي يعانيه الناس وتحول الى إحجام عن المشاركة، والناس في هذا المثال مصابون بفقدان الثقة بالمؤسسات والعمل العام ويحيون على تسويق الآمال والأمنيات.

هناك أمثلة يومية تفسر تدني المشاركة بأشكالها كافة ولا يتوقف الأمر على المشاركة الانتخابية وضعفها في المدن الكبرى، هناك جُرح ملتهب في الثقة بالمؤسسات الرسمية والأهلية والنخب على حد سواء. الناس لم يذهبوا لحفلات فنانين كبار وبالمجان في حفلات مهرجان جرش الأخيرة، ولم يذهبوا لآخر المهرجانات التعبوية للحركة الإسلامية كما حدث الأسبوع الماضي، وجرح الثقة يزداد بالإمعان وبالألم وبصمت.

سادت خلال السنوات القليلة الماضية في المجتمعات المتحولة، والأردن واحد منها، أنماط متعددة من التسويق السياسي المملوء بالمفارقات والتزييف أحيانا، بل ومحاولة شراء وعي الناس بدل من لفت انتباههم نحو رؤية سياسية أو تنموية جديدة أو تطوير قدراتهم نحو مشاركة سياسية أو تنموية حقيقية، ولا ينسحب هذا التعميم على حملات التسويق السياسي كافة على الرغم ان أكثرها وقع في شراك تلك الاختلالات؛ حتى أصبح هذا النمط من النشاط السياسي التجاري القائم على الترويج وشراء الخدمات الاستشارية أحد مظاهر زيف العمليات الإصلاحية على المستويات السياسية والتنموية، حينما اخذ يعمق الفجوة بين المؤسسات والمجتمعات ويزيد من عمق جرح عدم الثقة المزمن، ويتضح ذلك جليا كلما وضعت مضامين حملات التسويق السياسي على المحك، أو إذا ما جد الجد واختبرت الوقائع مدى جدية تلك المضامين، الأمر الذي ولد قناعة لدى العامة بعبثية هذه الأنشطة وعدمية السياسة من خلفها، هذا من جهة، ووضع اليد من جهة أخرى على أهم مشاكل أنماط المشاركة الشكلية وحملات التسويق السياسي في مجتمعاتنا، وبالتحديد المتمثلة في عدم القدرة على تأصيل هذا النشاط لكي ينبع من الهوية المحلية وشروطها الثقافية والاجتماعية.

بل بدا الأمر على طريقة القص واللصق من تجارب مجتمعات أخرى مختلفة في خبراتها ومكوناتها الاجتماعية والنفسية، علاوة على ان الخطورة الحقيقية التي كشفتها حملات التسويق السياسي تكمن في تزييف الوقائع وتشويهها أو اجترار الماضي؛ ومثال ذلك الترويج ضمن حملة تسويقية واسعة لمضامين سياسية اجتماعية حول مشاركة المرأة في الانتخابات ومحاولة بناء صورة ذهنية بالتلقين وبأنماط بدائية من الترويج الإعلامي، يتم ذلك في مجتمع تعد فيه أحوال المرأة ومستويات مشاركتها التحدي الاجتماعي الأكبر في المجتمعات المحلية الريفية والمدنية بفعل الأوضاع الاقتصادية وانتشار الفقر.

مشكلة المشاركة ترتبط بشكل جذري بالثقة في المؤسسات بمختلف أنماطها، والثقة مصدرها شرعية الإنجاز، وما دامت المؤسسات عاجزة عن الإنجاز والنخب من خلفها غير مقنعة، فانه من الظلم ان نطلب من الناس تصديقها أو الثقة بها.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لا بد لنا ان نحافظ على الامل عند جرح الثقة (محمد النصرات)

    الأربعاء 1 آب / أغسطس 2007.
    أنا واحد من الذين تزعزت لديهم الثقة ... نتمنى ان نثق ولو لمرة واحدة بمؤسسة وطنية تخدم الانسان والوطن بعيدا عن التمييز والتمايز ، موسسة ترفض العنصرية والشخصنة والاقلمة ,لكي تبقى ثقتنا بمؤسساتناقائمة. هذه المؤسسات التي فشلت في توفير مستلزمات معيشتنا, بل على العكس فقد جلبت لنا الخراب والدمار.والخوف من هذا كله ان نصاب بالاحباط الذي يؤدي الى عرقلةالعمل المشترك الجماعي ، والسؤال هل تستحق مؤسساتناالثقة بها؟؟؟
  • »ادارة الاقليم في البتراء (احمد النوافله)

    الأربعاء 1 آب / أغسطس 2007.
    هناك سؤال يطرح نفسه دائماً لماذا يتم تعيين مدير للاقليم من خارج مدينة البتراء برغموجود كفاءات كثيرة داخل مدينة البتراء ادرى باحتياجات المنطقة.
  • »ادارة الاقليم في البتراء (احمد النوافله)

    الأربعاء 1 آب / أغسطس 2007.
    هناك سؤال يطرح نفسه دائماً لماذا يتم تعيين مدير للاقليم من خارج مدينة البتراء برغموجود كفاءات كثيرة داخل مدينة البتراء ادرى باحتياجات المنطقة
  • »دور المؤسسات العامة الخدمية بحاجة ماسة للمراجعة (Musa Nawafleh)

    الأربعاء 1 آب / أغسطس 2007.
    ان دور كثير من المؤسسات العامة والخدمية اصبح بحاجة ماسة الى مراجعة شاملة وجدية، مراجعة للأولويات والبرامج والخطط التنموية، وحتى مراجعة للصلاحيات !! ان تعطيل القانون بدعوى المصلحة العامة هو ضد المصلحة العامة، كما ان سلب حقوق الناس لأبسط حقوقهم في المشاركة السياسية وإنتخاب من يمثلهم ويدافع عن حقوقهم هو ضدالمصلحة العامة، مضى على تاسيس إقليم البتراء ما ينيف على ثلاثة عشر عاماًومضى على إلغاء البلدية وضمها للإقليم مايقارب 5 سنوات؛السؤال متى سيتم إحتيار الناس لممثليهم؟ ومتى ستنتهي موضة التعيين على المقاس !!!
  • »البتراء والتمثيل السياسي (موسى الحسنات)

    الأربعاء 1 آب / أغسطس 2007.
    اعتقد ان مدينة البتراء الوردية تفتقر وبكل المقاييس من التمثيل السياسي وعلى كل الاصعده في الاردن وقد يكون جزء كبير من ذلك تخاذل ابنائها وعدم قدرتهم على طرح الاشخاص المناسبين لتمثيلهم سياسياً وحديثي هذا يعبر عن سنوات طويلة لم تستطع البتراء ان تفرز ولا مرشح نيابي وتجمع عليه وتنجحه للاسف الشديد برغم ان المدينة لا ينقصها حملة شهادات وكفاءات قادره ولكن تم اقصائهم لربما لمصالح شخصية
  • »المواطن والثقة والوعي السياسي والمشاركة (ساطع الحسن)

    الأربعاء 1 آب / أغسطس 2007.
    ثقة المواطن بشفافية المشاركة السياسية تتزعزع ووتتراجع في اية عملية انتخابية وحين ينفي دولة رئيس الوزراء ذلك ويؤكد هذا النفي الناطق الرسمي ويصف كل منهم انسحاب الاسلاميين بالمؤامرة على الديمقراطية التي تحققت بالانتخابات للبلديات يدخل هذا النفي المواطن في دائرة الشك واليقين بانه من غير الممكن تحقيق انتخابات نزيهه على مستوى الوطن مما يدفعه للاحجام عن المشاركة.
    من حق العسكري المشاركة في العملية السياسية برمتها سواء البلديات او التشريعية وهذا مايحدث في كل ديمقراطيات العالم ولكن ليس من حق الدولة مصادرة حق هذا العسكري في انتخاب من يراه مناسبا وذلك بتوجيهه لانتخاب لوائح جاهزه من مرشحي الدولة والمحسوبين عليها!,وقد شاهد المواطن في البلديات الكبرى تجربة انتخابات 1995-1999لبلدية الزرقاء حين شاهدنا كمواطنين العسكريين يتنقلون من صندوق لاخر ببطاقات كتله معينة للتصويت اليها اضافة للتكرار الذي سمح للمواطن بتكرار التصويت ان كان لجهة دون اخرى.
    من هنا عجزت الدولة عن تحقيق المشاركة الحقيقة للمواطن ودفعة للاحجام عن المشاركة مما كان السبب في تدني نسب المشاركة ولولا التكرار لما استطاعت معظم البلديات تجاوز النسبة القانونية واصبح التمديد واقع حال لمعظم البلديات,وهذا يقودنا للتساؤل اين ذهب المليوني ناخب المسجلين مادامت نسبة التصويت تراجعت الى هذا الحد.
    تكرار ماحدث في الانتخابات السابقة يدفعنا للتشكيك في اية عملية انتخابية على مستوى الوطن من هنا اتسائل مع الاخ الكاتب لماذا تعزز الحكومات دائما سلبية المواطن في المشاركة ودفعه لعدم الثقة باية انتخابات تجري على مستوى الوطن!