توحيد آسيا

تم نشره في الجمعة 20 تموز / يوليو 2007. 02:00 صباحاً

يبدو أن طموحات كوريا الشمالية النووية قد تضاءلت، في وقتنا الحالي على الأقل. فقد نجحت المحادثات السداسية أخيراً - بفضل معارضة الصين الثابتة لتحويل شمال شرق آسيا إلى قوة نووية. وتحت مظلة الأطراف الستة، اجتمعت الولايات المتحدة وكوريا الشمالية في المحادثات الثنائية التي ظل رئيس كوريا الشمالية كيم جونغ إل يطالب بها منذ مدة طويلة.

وعلى هذا فقد أصبحت منطقة شمال شرق آسيا، مؤقتاً، أكثر هدوءاً وأكثر استقراراً مما كانت عليه لمدة تقرب من العقدين من الزمان. إلا أن المنطقة تظل تشكل نقطة انفجار محتملة.

أثناء هذا الوقت الذي ساده التوتر، بدأت كوريا الجنوبية، التي اكتسبت المزيد من الثقة في الذات بمرور الوقت، في رسم مسار مستقل عن راعيها الأميركي. ففي شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2005 اتهمت الهيئة الدولية للطاقة الذرية حكومة كوريا الجنوبية بتخصيب كمية ضئيلة من اليورانيوم ـ إلى مستوى قريب مما يمكن استخدامه في تصنيع الأسلحة النووية. وأنكرت حكومة كوريا الجنوبية ذلك الاتهام زاعمة أن التجارب كانت تُجرى دون علمها بواسطة باحثين أكاديميين،"لأغراض علمية".

كما قد تتضمن السياسة الخارجية الناشئة التي تنتهجها كوريا الجنوبية التحرك نحو التقرب من الصين، مع انضمام القوميين الكوريين إلى الصينيين في مقاومة مطالبة اليابان بمخزون محتمل من المواد الهيدروكربونية في بحر شرق الصين وبحر اليابان. ومن الواضح أن الأجيال الجديدة في كوريا الجنوبية، التي لا تحمل ذاكرة شخصية للحرب الكورية والتي ربما تهتم بها على نحو عارض فحسب، تبدي استياءها مما ترى أنه محاولات من جانب أميركا لإحباط "سياسة الشمس المشرقة" التي تنتهجها كوريا الجنوبية في التعامل مع كوريا الشمالية.

أما اليابان فهي تعتبر القدرات الصاروخية لدى كوريا الشمالية تهديداً مباشراً لها. ولقد أكد تقييم دفاعي شامل قامت به اليابان مؤخراً أنها سوف تستمر في معارضة امتلاك الدول المجاورة لها للأسلحة النووية. مما لا شك فيه أن اليابان ذاتها تمتلك بالفعل التكنولوجيا النووية والصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب. إلا أن جوهر الاستراتيجية الدفاعية اليابانية يتلخص في الحفاظ على روابط قوية بالولايات المتحدة، وليس بناء الاكتفاء الذاتي عسكرياً.

في مجمل الأمر، نستطيع أن نقول إن الموقف الأكثر هدوءاً في شمال شرق آسيا قد يكون قائماً على أسس هشة لا تسمح بترسيخ السلام الدائم والازدهار في المنطقة. إلا أن الدرس الأساسي الذي نستقيه من أوروبا الغربية، التي خاضت قواها العظمى - فرنسا وألمانيا- ثلاث حروب عظمى في غضون سبعين عاماً، هو أن الحل الوحيد الدائم للصراع يتلخص في دمج الدول المتجاورة في شبكة مكثفة من العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية، والمؤسسات الإقليمية التي تخدم مصالحها المتبادلة.

بطبيعة الحال، لم يبدأ مؤسسو أوروبا الموحدة جهودهم بالدعوة إلى إلغاء السيادة الوطنية. والحقيقة أن روبرت شومان كان قد أعلن في إحدى المناسبات أن "أوروبا لن تُـبنى بين عشية وضحاها، ولن تكون جزءاً من تصميم أو تخطيط شامل، بل إنها سوف تُـبنى من خلال الإنجازات العملية التي تخلق حساً بالهدف المشترك".

وعلى هذا فإن ما أصبح اليوم الاتحاد الأوروبي كان قد بدأ بصورة غير واضحة، مع دمج الصناعات الفرنسية والألمانية المرتبطة على نحو مباشر بالإنتاج الحربي ـ الفحم والفولاذ. ولم تبدأ أولى الخطوات الجادة نحو التكامل السياسي إلا بعد أن أحرز التكامل الاقتصادي تقدماً واضحاً.

في شرق آسيا اليوم أيضاً تعمل السوق كأداة لتعزيز التكامل. والآن بعد أن تجمعت دول جنوب شرق آسيا العشر في إطار منظمة اتحاد دول جنوب شرق آسيا، "آسيان"

(ASEAN) - وبعد الإعلان عن ميثاق اتحاد دول جنوب شرق آسيا- أصبح مفهوم التجمع الاقتصادي الشرق آسيوي(EAEG)، الذي من المفترض أن يضم اتحاد دول جنوب شرق آسيا والصين واليابان وكوريا(ربما بعد توحيد الكوريتين وخلوهما من السلاح النووي)، يتحرك على نحو مضطرد نحو الأمام.

بدأت المرحلة الأولى في هذا المشروع الطموح العظيم، منطقة التجارة الحرة (FTA) بين "آسيان" والصين في العام 2004، ومن المفترض أن تكتمل بحلول العام2010. وفي نفس الوقت يتم التفاوض من أجل إنشاء منطقة تجارة حرة تضم"آسيان" واليابان، وأيضاً كوريا الجنوبية. ومنذ العام 2005 أعربت الهند أيضاً عن اهتمامها بمشاركة "آسيان" في ترتيب شبيه بذلك.

إلا أن منطقة شمال شرق آسيا، وحدها بين مناطق آسيا، لم تشترك في منظمات إقليمية. وهذا هو السبب الذي يجعلها في حاجة إلى تنسيق القوى لدعم استقرارها الهش. ويتعين على كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية أن يشرعا في تنفيذ مشروع للتصالح وبناء المجتمع من خلال مبادرات خاصة بينهما، كما فعلت فرنسا وألمانيا في العام 1952. ولابد للاقتصاد وأن يطوق السياسة مرة أخرى، مع زيادة كثافة التجارة، والاستثمار، والسياحة، وانتقال التكنولوجيا عبر حدود الكوريتين.

في نفس الوقت أصبح لدينا بالفعل الأدوات اللازمة لتأسيس اتحاد اقتصادي بين آسيا ومنطقة الباسيفيكي، بداية بمنتدى التعاون الاقتصادي الآسيو-باسيفيكي(APEC)، بهدف التوصل إلى تحقيق الشرط الأساسي اللازم لإقامة السلام والأمن الدائمين. ويتعين على رجال الدولة أن يعملوا خلال العقد القادم على إبدال معاهدة(Pax Americana) "السلام الأميركي"، التي ساعدت في تعزيز الاستقرار في منطقة آسيا والباسيفيكي بمعاهدة سلام "آسيو-باسيفيكية"

(Pax Asia-Pacifica)، حيث تساهم الدول الكبرى والكتل شبه الإقليمية في الحفاظ على الأمن في منطقة آسيا والباسيفيكي، في مواجهة التهديدات الجغرافية السياسية الحالية، والتي تتضمن الإرهاب الدولي، والانتشار النووي، وحالة عدم الاستقرار الناتجة عن الصراع العربي الإسرائيلي، وحرب العراق، وضعف الأمم المتحدة.

يتعين علينا كجيران وشركاء إقليميين أن نستغل تقارب المصالح التي تشترك فيها كل من الولايات المتحدة، واليابان، والصين، والهند، وروسيا، ومنظمة "آسيان"، وكندا، وكوريا الموحدة الخالية من السلاح النووي، وباكستان، وأستراليا، ونيوزيلندا، ودول أخرى، تماماً كما استغلت أوروبا الغربية مأزق الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي لتعزيز الاتحاد الأوروبي وتوسعته.

إن القوة العسكرية الأميركية المبالغ في امتدادها تشكل الحجة العقلانية الراسخة للسعي نحو إعادة بناء الأمن الآسيوي الباسيفيكي. إلا أن السلام عبر الباسيفيكي لابد وأن يستند إلى التوازن بين المصالح المشتركة وليس التوازن بين القوى. ومن الواضح أن هذا لابد وأن يشتمل على المشاركة في تحمل الأعباء من جانب كافة الدول في منطقة آسيا والباسيفيكي، والتوصل إلى تفاهم تعاوني بين أعظم الدول ثراءً في القسم الذي نحيا عليه من العالم، الولايات المتحدة، واليابان، والصين، وكوريا الجنوبية.

فيديل راموس هو رئيس الفلبين الأسبق

خاص بالغد بالتنسيق مع مؤسسة بروجيكت سنديكيت

التعليق