أيمن الصفدي

"الآخر" فينا

تم نشره في الجمعة 15 حزيران / يونيو 2007. 02:00 صباحاً

لا "أيادي خفية" وراء الكوارث التي تضرب فلسطين والعراق ولبنان. فنظرية "الحق على الطليان" تسقط هنا. سادت لسنوات دليل عجز عن مواجهة قصور الذات وتخلفها. أصبحت مهرباً من الاعتراف بأن الخطأ فينا والخطيئة منا. وجاء الثمن غالياً. هزيمة بعد هزيمة. انحدار لا قاع له. تخلف بات ثقافة.

دائما نلوم "الآخر". وهذا "الآخر" ليس بريئاً من الكثير من المصائب التي حلّت بعوالم العرب. لكن "الآخر" ما كان ليحقق مآربه لو لم يجد في بلاد العرب تربة خصبة من التخلف والجهل والقهر والظلم. وحتى لو كان "الآخر" من نصب الشباك، فنحن من اختار طوعاً السير إليها.

ليس "الآخر" مسؤولاً عن استباحة الفلسطينيين لدماء أشقائهم. ليس "الآخر" من يفجر المساجد، ويقتل الأبرياء في العراق. وليس "الآخر" من يغتال الحياة في لبنان.

هو "آخر". لكن ليس بالتعريف المكرس للضد. فقد تجذر الغرب في ثقافة العرب "آخر" عدواً لا يؤمَن جانبه. والصحيح أن دولاً غربية، خصوصاً أميركا، انتهجت في التعامل مع العرب سياسات محتوم أن تستجلب لها العداء والرفض. لكن "الآخر" الذي يعمم اليأس في ثقافة العرب، الذي يقتل ثقافة الحياة، الذي يحرّم الفرح والأمل، هو نبت أصيل في حقول التدهور والانهيار القيمي والفكري التي انتشرت في بلاد العرب.

ليست أميركا من تقتل الفلسطينيين في غزة. وليست إسرائيل من تفجر مآذن المساجد في بغداد. وليست بريطانيا التي تريد لبنان ساحة حرب وتسخر من نزوع اللبنانيين إلى حب الحياة والفرح. ليس "الآخر" الغربي من يقتل الثقافة الجمعية العربية بسموم الشعارات الفارغة والإحباط والعبثية.

العراقيون والفلسطينيون واللبنانيون، أو بالأحرى جزء منهم، مسؤولون مباشرة عن دفع بلادهم نحو ويلات الحروب الأهلية. هذا الجزء هو "الآخر" الذي يستحق الوقوف في وجهه خطراً لا يقل دمارية عن الخطر الذي يمثله الأعداء التقليديون للعرب.

وهو "الآخر" الذي سلّم مصير شعبه ووطنه إلى قوى لا تأبه بدماء الفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين. لكن أحداً لا يجرؤ على التصريح بذلك بالوضوح الذي تفرضه خطورة اللحظة.

لا السياسيون يوجهون الفعل، أو حتى القول، حيث يجب. ولا "المثقفون" قادرون على التحرر من غشاوة العيون ليروا إلى حقيقة الخطر الذي ينمو بين ثناياهم ثقافة موت ستحرق الأخضر واليابس في بلادهم. لوم "الطليان" يوفر عمىً طوعياً عن رؤية البشاعة التي تستحوذ باطراد على المشهد العربي. لكن هذا التجاهل الإرادي للمأزق التاريخي الذي يفتك بعالم العرب، ثقافياً ثم سياسياً وأمنياً، لن يوقف الانهيار. هو قادم لا محالة إلا إذا أخرجت الرؤوس من الرمال، وتمت مواجهة أسباب المأزق الحقيقية. "الآخر" الأخطر منا. والمواجهة الحقيقية معه.

التعليق