الهزيمة العربية المقبلة خلف الباب!

تم نشره في السبت 9 حزيران / يونيو 2007. 03:00 صباحاً

لم تكن هزيمة العرب في حرب العام 1967 عسكرية فحسب، كانت أيضا، قبل أي شيء آخر، هزيمة حضارية بكلّ معنى الكلمة، هزيمة يؤكدها اليوم واقع أنّهم لم يتعلّموا شيئاً من دروس حرب الأيام الستة، وأنّهم على استعداد لتكرار الأخطاء ذاتها. يبدون مستعدين دائماً وأبداً لتكرار الأخطاء، باستثناء تلك القلة منهم التي تمتّعت بالقدرة على امتلاك رؤيا واضحة سمحت لها بتجاوز عقد الماضي وأوهامه وأمراضه المتجددة.

بعد اربعين عاماً على حرب الخامس من حزيران 1967، يتبيّن بكل وضوح أن العرب ما يزالون يقتاتون من الأوهام، وأن وضعهم غير قابل للتطوير ما داموا أسرى العجز الذي يتحكّم بعقولهم. هذا العجز يجعلهم غير قادرين على مواجهة الحقائق والأرقام، فيهربون منها إلى الشعارات. ما يزال العرب، في معظمهم، في عالم آخر لا علاقة له بالعالم الحقيقي. إنهم بكل بساطة لا يدركون معنى التحديات الحقيقية التي تواجه المنطقة، إنهم غارقون في وحول الهزيمة لا يتجرّأون على الاعتراف بأنها ستلاحقهم إلى الأبد في غياب الشجاعة على طرح الأسئلة الواجب طرحها.

في مقدّم الأسئلة: لماذا نحن في مكاننا؟ لماذا ما يزال الاحتلال للضفة الغربية والقدس والجولان مستمرّاً؟ لماذا لم تقم الدولة الفلسطينية المستقلّة؟ لماذا انهار العراق كدولة ومؤسسات وكيان سياسي؟ لماذا صارت الدول والمجتمعات العربية، في معظمها، مصانع لإنتاج الإرهاب والإرهابيين وتصديرهم إلى مختلف أنحاء العالم؟ ما العمل في مواجهة الغرائز المذهبية التي استفاقت بفضل السياسة الأميركية الغبية التي فعلت ما فعلته بالعراق، من دون تجاهل، في أي لحظة من اللحظات، لما ارتكبه نظام صدّام حسين العائلي- البعثي، قبل الأميركيين، ومسؤوليته بالنسبة إلى البدء في تمزيق النسيج الاجتماعي للعراق بعدما أدخل البلد في حروب ومغامرات حوّلته لقمة سائغة للاحتلال الأميركي؟ وقد مكّن الاحتلال إيران من أن تصير اللاعب الأول في العراق، اللاعب المتحكم بمستقبله وهويته العربية وبوحدة أراضيه وبمستقبل الدول العربية المجاورة له وحتى البعيدة منه. تلك الدول التي سيترتب عليها عاجلاً أم آجلاً التعاطي بشكل مباشر مع الطموحات السياسية لإيران ومخططاتها الهادفة إلى وراثة النفوذ العربي في المنطقة الممتدة من الخليج، مروراً بالعراق وسورية، وانتهاء بشواطئ المتوسط عن طريق "حزب الله" في لبنان. بارك الله ذلك الذي حذّر باكراً من هذا النوع من المخططات ومن خطورتها على منظومة الأمن العربية.

بعد أربعين عاماً على حرب الأيام الستة، يمكن للائحة الأسئلة المرتبطة بالوضع العربي أن تمتد طويلاً. يمكن للأسئلة أن تتناول المشكلة الأهم المتمثلة بمستوى البرامج التعليمية ونوعيتها، ودور المرأة المتراجع باستمرار. هل هناك من يتجرأ على قول رأيه علناً بفيلم سينمائي مصري يعكس طبيعة الحياة الاجتماعية في البلد، فيلم من انتاج الأربعينيات والخمسينيات والستينيات مقارنة بفيلم آخر من انتاج أمس القريب واليوم؟ ما هذا التراجع المخيف على الصعيد الاجتماعي؟ أوليس هذا التراجع دليلاً على أن العرب خسروا المعركة الحضارية التي تظل في نهاية المطاف أمّ المعارك، ليس على طريقة صدّام طبعاً وليس استناداً إلى مفاهيمه البدائية.

كذلك، يمكن للائحة الأسئلة أن تشمل الماء والبيئة، وكلّ ما له علاقة بالطبيعة والنمو السكاني والتطرف الديني الذي لا ضوابط له، فضلاً عن الأسباب التي تجعل العقول تهاجر والرساميل لا تعود للاستثمار في بلد مثل سورية كان يمكن أن يكون أحدّ أهم البلدان في المنطقة، فإذا به يعود إلى خلف يومياً بفضل نظام يرفع شعار "الممانعة". إنها الممانعة أمام كلّ شيء فيه فائدة للشعب السوري، خصوصاً حيال الأمور ذات العلاقة بالتقدم والتطور والنمو والرقي والازدهار؛ ما هذه الممانعة التي تصب في النهاية في ممارسة سياسة الابتزاز ولا شيء غير الابتزاز. منذ متى كان الابتزاز السياسة؟

لم يدرك العرب، معظم العرب، أي عرب الهزيمة العلاقة بين السياسة وموازين القوى. يتصورون الهزائم انتصارات، كما حصل في لبنان أخيراً حيث من يتحدّث عن انتصار أعاد البلد ثلاثين عاماً إلى خلف. ما هذا الانتصار الذي يعيد بلداً ثلاثة عقود إلى خلف ويعطل الحياة فيه ويتسبب بتهجير مئات الآلاف من الشبان؟ هؤلاء العرب لا يدركون أن المنتصر من يعترف بهزيمته، وينطلق من ذلك في اتجاه تحسين وضعه وللانتصار على النفس أوّلاً. وفي أساس هزيمة 1967 من لم يدرك أن السياسة ليست مقامرة وأنّ ليس في الإمكان الذهاب إلى شفا الحرب من دون الإعداد الحقيقي لها، ومن دون إدراك لطبيعة الأسلحة التي لدى العدو الإسرائيلي وطبيعة تحالفاته.

كانت هزيمة 1967 نتيجة طبيعية ومنطقية لانتصار الغوغاء، أي أولئك الذين رفضوا النظر بموضوعية إلى ما حدث في العام 1956، وللأسباب التي مكنت جمال عبدالناصر من أن يعتبر نفسه منتصراً بعد العدوان الثلاثي الذي جاء ردّاً على تأميم القناة. لو وُجد وقتذاك في القيادة المصرية، التي كان يعبّر عن توجهاتها حكواتي مثل أحمد سعيد، من يدرس الظروف التي أدّت إلى انكفاء العدوان، لما وصلت مصر إلى ما وصلت إليه في الخامس من حزيران 1967. لكانت وفّرت عليها وعلى العرب الكثير. كان يكفي اعتماد عبدالناصر والذين إلى جانبه حدّاً أدنى من التواضع والاستماع إلى من هم أكثر وعيا منهم كالملك الحسين والحبيب بورقيبة، رحمهما الله، كي لا تضيع سيناء والقدس والضفة الغربية في 1967، وكي لا يُجبر الأردن على دخول حرب كان يعرف سلفاً أنها خاسرة، لكن لم يكن أمامه سوى خوضها.

المشكلة أن الأخطاء ذاتها تتكرر منذ الهزيمة. هذه الأخطاء، ستقود في حال استمرارها إلى مزيد من الهزائم. ستضيع فلسطين، لأنّ ليس بين العرب من يقول لـ"حماس" أنها تخدم المشروع الإسرائيلي، ولأنّ ليس من يريد تسمية الأسماء بأسمائها في العراق والتعاطي مع الواقع الجديد الذي يفرض التفكير من الآن بالمخاطر الناجمة عن انفلات الغرائز المذهبية والتطرف الديني، ولأن ليس بين العرب من يريد أن يقول للنظام السوري أن تخريب لبنان وتعطيل الحياة فيه عبر "حزب الله" أو "فتح–الإسلام"، لا فارق، لن يؤمن له دوراً إقليمياً ولن يعيد له الجولان. إنّه رهان على الأوهام ليس إلاّ. كلّ ما في الأمر أن مثل هذا التصرف السوري في لبنان لا يخدم سوى إسرائيل، إضافة إلى أنه يجعل النظام في دمشق أكثر فأكثر تحت رحمة النظام الإيراني.

بعد أربعين عاماً على هزيمة 1967، يتجه العرب إلى مزيد من الهزائم. يكفي ما فعلوه في لبنان عندما فرضوا عليه اتفاق القاهرة في العام 1969 ويكفي ما يرتكبه النظام السوري من اغتيالات وتفجيرات وما يشجع عليه من أجل افتعال حرب أهلية في الوطن الصغير عبر عصابات تابعة له من نوع "فتح–الإسلام" للتأكد من أن الهزيمة الجديدة خلف الباب. وأن الأبواب العربية ستبقى مشرّعة أمام كلّ أنواع الهزائم ما دام ليس هناك من يستوعب أن ما حصل في 1967 كان هزيمة حضارية قبل أي شيء آخر، وأن الانتصار على لبنان ليس بديلاً من الانتصار على إسرائيل وأن الطريق إلى الجولان والقدس لا تمرّ لا بالوسط التجاري لبيروت ولا بمخيّم عين البارد في شمال لبنان!

كاتب لبناني

التعليق