محمد أبو رمان

عيد الاستقلال: حدث وحديث

تم نشره في السبت 26 أيار / مايو 2007. 02:00 صباحاً

لا شك أنّ الرؤية العامة لحالة الوطن منذ الاستقلال إلى اليوم تبعث على الارتياح والفخر والشعور بالإنجاز الحضاري- الإنساني الذي استطاع هذا الوطن تحقيقه، في سياق إقليمي متوتر هش سرعان ما ينكسر فتنزلق دول ومجتمعات إلى الهاوية القاتلة. فأية مقارنة صادقة بين الأردن والدول العربية الأخرى تمنحه وساماً رفيعاً؛ وتجعل الجميع، بحق، ينحني احتراماً وتقديراً له واعتزازاً به في عيد الاستقلال ويقدم له تهنئة حقيقية يستحقها بجدارة.

استنطاق المنجزات الوطنية يستغرق حديثاً ونقاشاً طويلاً، ويكفي أن الأردن ثبت في وجه الإعصار الإقليمي في كثير من الأوقات، في الوقت الذي دمرت فيه دول تملك أضعاف ما يملكه الأردن من إمكانيات وقدرات. على الرغم من ذلك لا بد من تجاوز الحديث الاحتفالي بهذا الحدث العزيز لنقوم بمراجعة حقيقية للمسيرة تبدو ضرورية اليوم مع بروز تحديات وأسئلة تتطلب قراءة دقيقة وموضوعية وعلمية وتطرح سؤالاً جوهرياً: أين كنا وأين نحن إلى أين ذاهبون وماذا نريد؟

هذه القراءة يجب أن تتأسس في الفضاء العام وتستدعي حواراً مجتمعياً حقيقياً تشترك فيه مختلف القطاعات لتعزيز الشعور بالمسؤولية الجمعية عن الاستمرار في مسيرة التطوير وتصحيح الأخطاء ومواجهة التحديات والأوليات المطروحة بقوة أمام مسيرة هذا الوطن وتقدمه إلى الأمام.

في هذا الصدد، إذا أردت التفكير بصوت عال، فإنّ هنالك أوليات وتحديات تطرح نفسها بقوة أمامنا وتشكل الأسئلة التي يجب أن نتصدى لها. وسأقفز هنا عن الحديث في الشأن السياسي الذي يستزفنا في الإعلام إلى درجة الإغراق بلا جدوى حقيقية، لكن هذا لا ينفي أنّ هنالك اشتباكاً كبيراً بين"الأزمة السياسية" والأزمات الأخرى وأنّ هنالك رفداً متبادلاً بينها، ولعل سؤال الإصلاح السياسي هو التحدي الأول في ظل إخفاق واضح في تحقيق أي تقدم جاد وملموس منذ سنوات، وهو السؤال الذي يشتبك مع قضايا سياسية أخرى كتراجع دور المؤسسات السياسية والدستورية لصالح المؤسسات الأخرى التي احتلت مساحة ليست لها، ما يصيب المجال السياسي بخلل بادٍ للعيان ويجعل من المراقب للحالة السياسية الرسمية يشعر وكأنه أمام جزر مفصولة وليس أمام نسق سياسي متكامل متحد متوازن.

الحالة الاقتصادية تمثل اليوم معضلة خطيرة أصبحت تحظى بالأولوية الكبرى، فالمسار الحالي - من التخطيط الاقتصادي والتشريعات الجديدة- يصيب الاقتصاد الوطني بخلل كبير وعاهة بنيوية ستفرز أزمات اجتماعية وسياسية واقتصادية خانقة إن لم تعالج بجدية وتحظى بالأولوية. ومع الاعتراف أن هنالك محاولات دؤوبة في هذا المجال إلاّ أنّها أقل حتى من التأثير في التخفيف من حدة الألم وتسكينه فضلاً عن توفير علاج ناجع له. فثمة تدوير لرأس المال بين نخب محدودة وفي العاصمة عمان فقط، مما خلق فجوة تنمو بسرعة بين المركز والأطراف وبين الفقراء والأغنياء، بين من يملكون كل شيء ومن لا يملكون أي شيء، وهنالك شعور بالحرمان الاجتماعي واختناق بالقطاع العام، بما فيه من مؤسسات سيادية خطيرة، جراء الفرق الهائل بين دخل الموظف في القطاع العام والموظف في القطاع الخاص، يتوازى ذلك مع تراجع واضح في القيمة الشرائية للدينار وارتفاع شديد في الأسعار وخلل في قوانين العمل والتوزيع الضريبي، ما انعكس بوضوح على الشريحة الكبرى من الطبقة الوسطى الدنيا، لتنزل إلى مصاف الفقراء، بينما الفقراء ينزلقون إلى "الطبقات الارتوازية" تحت الأرض.

ومن المعروف أن معضلة تجذر الفقر والبطالة تخلق شروخاً اجتماعية واسعة تؤدي إلى انتشار الجريمة وصعود حركات الاحتجاج الاجتماعي، حتى بصيغتها "الراديكالية الدينية".

ثمة أولويات حيوية وطنية أخرى، في الملف الصحي والملف التعليمي وحتى الأمني بمفهومه الشمولي(الأمن على الطرق، الأمن المجتمعي، الثقافي، الاقتصادي..) لكن المفتاح الرئيس لحل هذه "الأزمات الوطنية" هو مفهوم التنمية المتوازنة، وضرورة الانتقال من التركيز على الملف السياسي بمعناه الضيق(المماحكة بين الحكومة والمعارضة) إلى الملفات الحيوية الأخرى، التي تمثل المركز الحقيقي للسياسة العامة، مما يدفع الى التساؤل: ألم يأن الأوان لتأسيس معهد "للسياسات العامة" يرصد الأزمات الوطنية بتجلياتها المختلفة ويضع لنا مؤشرات على مختلف المستويات؟

[email protected]

التعليق