إبراهيم غرايبة

إيران تحقق تقدما سياسيا

تم نشره في الأربعاء 16 أيار / مايو 2007. 02:00 صباحاً

تحقق إيران تقدما سياسيا واقتصاديا ربما يجعل الحصار الأميركي عليها قليل الجدوى. فالعلاقات الإيرانية الخليجية تتحسن باضطراد، بعد اللقاءات التي جرت بين المسؤولين السعوديين والإيرانيين، يتوجه الرئيس أحمدي نجاد لزيارة الإمارات في اختراق سياسي كبير للعلاقات بين البلدين التي سيطر عليها الخلاف بسبب الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية الثلاث في الخليج العربي، وفي العراق حققت إيران انتصارا كبيرا، ولعلها المنتصر الأكبر اليوم في العراق، فبعد حرب طويلة دامت ربع قرن بدأت بصراع عسكري مباشر واستنزافي بين العراق وإيران، ثم حرب الخليج الثانية التي دمرت العراق وأضرت بإيران أيضا بسبب إستراتيجية الاحتواء المزدوج لكل من إيران والعراق ظهرت إيران هي اللاعب الرئيس المؤثر في العراق، أو كما قال الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي بأن نتيجة الحرب الأميركية على العراق كانت تسليمه إلى إيران، بل إن العراقيين جميعا اليوم والأميركيين في العراق يبدون تحت رحمة وتصرف إيران، فهي فقط القادرة على توجيه الأحزاب والجماعات الشيعية الحاكمة والمسيطرة في العراق والتأثير على قراراتها وتوجهاتها، وفي الوقت الذي تقرر إيران دفعها إلى مقاومة الولايات المتحدة في العراق فإنها ستضع الولايات المتحدة وقواتها في حالة بالغة الحرج، كما أن لإيران تأثيرا كبيرا على الأحزاب والجماعات الكردية الحاكمة والمعارضة في إقليم كردستان، ولها علاقة بجماعات سنية، وأنشأت مراكز نفوذ متقدمة في الأجهزة الأمنية والعسكرية وفي القبائل والعشائر العراقية، وأنشأت شبكة جديدة وعملاقة من العلاقات التجارية والاجتماعية والدينية مع جنوب العراق ومدنه ومراكزه الشيعية، وربما لا يكون مبالغة القول إن الجنود الأميركان في العراق هم أسرى لإيران.

وقد احتاجت الولايات المتحدة راضخة للتفاوض مع إيران حول العراق، ولا يمكن القول إنها مفاوضات معزولة عن الوضع الإقليمي بعامة والعلاقات الإيرانية الأميركية، فلن تستطيع الولايات المتحدة تحقيق تفاهمات مع إيران بشأن العراق من دون تسويات مرضية لإيران حول مفاعلها النووي ودورها في المنطقة وأهدافها السياسية والاقتصادية، ولا يعدو الحديث المتكرر للمسؤولين الأميركيين عن الفصل بين الموقف الأميركي العام من إيران وبين التفاوض حول العراق سوى استهلاك إعلامي بائس على غرار المواقف الإعلامية العربية الثورية والدكتاتورية في السبعينيات وما قبلها، وربما تكون إيران اليوم كما يظهر في زيارة رئيسها لدولة الإمارات العربية المتحدة مستعدة من موقع الشعور بالثقة والقوة لتسويات سياسية واقتصادية وإقليمية مرضية ومغرية للدول العربية والخليجية من أجل الفوز بالعراق، بل إنها مستعدة لأجل تحقيق هذا الهدف من دفع ثمن كبير، ولكنه الثمن الذي يدفعه القوي المنتصر وليس المهزوم الخاسر.

وكما استفادت إيران سياسيا واستراتيجيا من الاحتلال الأميركي للعراق، فصفت بقايا النظام السياسي المعادي لها في العراق تصفية شملت السياسيين والعلماء والقادة العسكريين والطيارين أيضا وسيطرت على المشهد العراقي، فقد استفادت اقتصاديا بسبب ارتفاع أسعار النفط، وأصبحت شريكا نفطيا عملاقا في الخليج العربي وفي بحر قزوين أيضا الذي يشكل المصدر الرئيس للنفط بعد الخليج العربي.

وأنشأت إيران شراكات إستراتيجية واقتصادية هائلة مع روسيا والصين وأصبحت جزءا من منظومة تحالف إستراتيجي واقتصادي كبير منافس للولايات المتحدة الأميركية، لقد تلقت الولايات المتحدة وأوروبا هزيمة إستراتيجية تاريخية في إيران سوف تعود عليها بخسارة إستراتيجية واقتصادية هائلة، ولن يعوضها أو يستدركها التفوق الأميركي والأوروبي القائم اليوم على روسيا والصين، فهذا التفوق ليس أكثر من لعب في الوقت الضائع، وزيارة كوندي ليزا رايس وزيرة خارجية الولايات المتحدة لروسيا لإصلاح العلاقات الروسية الأميركية تؤكد المخاوف الأميركية الكبرى من التهديد القادم الناشئ عن تشكل قوى وعالم جديد في آسيا بالتحالف مع روسيا، وتدرك رايس أكثر من غيرها وهي العالمة المتخصصة بالإستراتيجية الروسية والمشغولة بها أكاديميا وسياسيا طوال حياتها أن روسيا تقترب من أحلامها التاريخية الممتدة إلى أكثر من خمسمائة عام، وقد كان من أسباب تحولها من الحزب الديمقراطي إلى الجمهوري اختلافها الجذري الكبير مع سياسة الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر تجاه روسيا بعد احتلالها لأفغانستان، فقد كانت اللحظة التاريخية تغوي بتحقيق انتصار سياسي وإعلامي على الاتحاد السوفيتي يعوض الهزيمة الأميركية في إيران ولكنه إغواء ينحرف بعيدا عن مقتضيات الجغرافيا السياسية والاستراتيجية التي نظمت العلاقات والصراعات على مدى القرون الماضية. 

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق