أسوأ مهنة في العالم

تم نشره في الخميس 10 أيار / مايو 2007. 02:00 صباحاً

أسوأ مهنة في العالم ان تكون شرطيا في قوات الأمن العراقية، حيث يأتيك رصاص الموت من الأصدقاء الأعداء ومن القريب ومن البعيد ومن حيث تدري ولا تدري وعلى حد سواء، فعلى الرغم ان الموت المجاني يستهدف الجميع في العراق وتتشابك فيه بنادق الأعداء والأصدقاء وتصطدم فيه مفخخات الميليشيات مع مفخخات شركات الأمن الأجنبية.

ومع ان رصاص جيش الاحتلال ينال الجميع وآخرهم أطفال مدرسة السعادة التي لن تكون سعيدة بالتأكيد منذ يوم الثلاثاء الماضي؛ حيث أودت نيران الطائرات الأميركية بحياة خمسة تلاميذ وهم في غرفهم الصفية، ومع كل هذه المآسي فإن محنة رجال الشرطة العراقيين فيما يتعرضون إليه، وفيما يقترفونه من جرائم، تحتاج هذه المحنة الى التوقف.

لا يفوت يوم دون ان تستهدف مقرات ومراكز ومعسكرات تدريب ودوريات رجال الأمن والشرطة العراقية، ولا يفوت يوم دون ان يسجل منهم ضحايا قد يصلون في بعض الأيام الى عشرات ومئات، بالطبع المسألة لا تتوقف في هذا المجال على تبرير هذه الأعمال في سياق الحق الشرعي بالمقاومة وبمدى الأخذ جديا بأنهم أداة من أدوات الاحتلال، بل الأمر الاعمق من هذا وذاك في مدى تمثيل هذه المواجهة لشكل من أشكال الاقتتال والحرب الأهلية من جهة، وقبل ذلك في التحقق الموضوعي من هوية أطراف المواجهة وأهدافهم الحقيقية.

في حين أصبحت سمعة هذه الأجهزة الأمنية الطارئة هي الأسوأ في العالم، وتكفي مراجعة سريعة لتقارير منظمات حقوق الإنسان، ولمئات الشهادات عن صنوف التعذيب والاذلال الآدمي الذي لا مثيل له الذي يلاقيه المعتقلون في زنزانات وزارة الداخلية العرقية وسجونها العتيدة.

المفارقة المؤلمة هي على الصعيد الإنساني تبدو في الحظ العاثر لهولاء الشباب الذين قادهم مصيرهم لهذه المهنة في بلد ربما أصبح أسوأ مكان للعيش في العالم، وأكثر مكان تنتشر فيه البطالة، وأكثر مكان في العالم يمارس فيه الفساد بمختلف أشكاله وألوانه؛ فالعادة تفسد الإثارة إلا في جرائم الموت؛ بالفعل تتفق نظريات كتابة الأخبار على عناصر مشتركة تشكل ما يسمى قيم او معايير الأخبار، أي ما الذي يجعل من هذه الحادثة خبرا من آنية وجدة وفرادة وأهمية وجمهور وغيرها من عناصر تكسرها العادة والتكرار في أي حدث يتكرر يوميا، الا في الموت حينما يكون جريمة. فاستمرار الموت الجماعي في المكان ذاته وتحت وطأة الظروف نفسها يمنح الحدث مزيدا من الجدة والجدية والآنية والأهمية، إلا في الموت العراقي الراهن الذي أصبح في ذيل قوائم الاهتمامات السياسية وفي أواخر النشرات الإخبارية، بل أصبح لازمة يكررها المذيعون تذكر بأخبار الحرب العراقية الإيرانية في أعوام الثمانينيات.

استمرار الموت الجماعي المجاني بهذه الوتيرة المتزايدة يوما بعد يوم اكبر من حجم اللعبة السياسية المحلية وما يظهر منها على السطح من امتدادات للاحتلال، وعلى الرغم من قسوة ما واجهه العراقيون من فتن ومصائب عبر التاريخ ومن حروب واستبداد لعقود مضت، فإن رائحة الموت المنبعثة من مشرحة بغداد تعني أكثر من ذلك وهي وحدها القادرة على تفسير الأحداث ببلاغة وصدق أكثر من صراع النخب السياسية وشغبها، وقادرة أكثر على تحديد مسار الأحداث والى أين تسير الأمور.

هذا الموت والقتل يعني صراعات أخرى تتجاوز بنية السلطة وتقاسمها إلى بنية المجتمع بحد ذاته وتتجاوز المجتمع العراقي إلى بنى وهياكل مجتمعات مجاورة وقريبة تنظر وتنتظر.

تدل العديد من التجارب بأن المشروع السياسي الاجتماعي الذي يؤسس على الخوف الجماعي وأداته الأساسية الموت الجماعي، يؤسس بقوة وسرعة إلى الإقصاء الإرادي وطلب العزلة، لا يمكن التصديق بأنّ التعايش المذهبي والاثني في العراق قبل الاحتلال قابل للاستئناف اليوم مهما كان شكل العراق الجديد بعد كل هذا الموت الجماعي المتبادل, وللأسف فقد دقت آلاف الأسافين وماتزال تدق ولن يكون غريبا ان تطلب - إذا ما ستمر المخطط الراهن- الجماعات المذهبية والاثنية العزلة والانكفاء على الذات، حتى تلك التي تقاوم مشروع الفدرالية والتقسيم، هناك اليوم مدن وقرى تشهد حركة سكانية واسعة من النزوح المتبادل حسب المذاهب والهويات لإعادة تشكيل جغرافيا مذهبية وعرقية جديدة تحت وطأة الخوف الجماعي المتبادل المر الذي جعل من العراق الجديد أسوأ مكان للعيش على المستوى الإنساني وجعل من الشرطة العراقية تمارس أسوأ مهنة في العالم، وتعيش أسوأ ظروف في العالم أيضا. 

basimtwissi@hotmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حقا انها أسوأ مهنة في العالم..ولكن (صفاء جودي ويس)

    الخميس 10 أيار / مايو 2007.
    اولا تهنئة من الاعماق الى د.باسم الطويسي
    على المنصب الجديد في مجال الاعلام الحر
    نعم انها أسوا مهنة في العالم ولكن من المسؤول عن هذة الفوضى العارمة التي تهتك بالعراق كل يوم اللذين يدعون .المستعمر يريدها هكذا لا العراقيين.العراقي الاصيل لا يقبل على نفسة ان يتعدى على اخوة من العراقيين ومن يعمل في هذا المجال اكثرهم ليسو عراقيون الكل يعرف من اين جائوا وعلينا كعرب يجب مساعدة اخواننافي العراق من المقاومين لاجبار المحتل ومن معة الخروج من ارض الرافديين وبالتالي ينظف العراق من اصحاب النفوس المريضة..عفواعلى الاطالة.شكرا
  • »ظلمه في ظلام (ليث فريحات)

    الخميس 10 أيار / مايو 2007.
    ربما هذا هو استاذي الفاضل الوضع في العراق ظلم وظلام ماذا سينتج غير الاضطهاد والقهر وكلاهما سينتج القتل والدمار والدماء التي لاتنهتي وشكراً لك على مقالتك
  • »نتيجة واضحة (محمد)

    الخميس 10 أيار / مايو 2007.
    كل هذه العمليات هي حصاد ما زرع الامريكان و اتباعهم.. كان الله في عون الشعب العراقي
  • »الموت المجاني (مها المعايطه)

    الخميس 10 أيار / مايو 2007.
    المؤلم في العراق ان من يريد الموت المجاني فليذهب الى العراق قد تكون هذه مما كتبه الكاتب في مقالات سابقة صدق فيها عن حجم وهول ما نسمعه عن الموت في العراق الحبيب فالذي لم تقتله السيارات المفخخه يقتله الاميركان وان لم يقتله الاميركان تقتلة قوى الامن العراقية او تقتله الميلشيات المسلحة لاسباب طائفيه لاسباب طائفيه للاسف نشهد كل هذه الاحداث دون ان تضج مضاجعنا بعويل الامهات والشباب وكبار السن على التلفزة يومياً وكل ذلك لا يحرك ساكناً لدى رؤساء الدول العربية والضحيه في النهاية هم الشعب
  • »منْ المسؤول ؟؟؟ (musa nawafleh)

    الخميس 10 أيار / مايو 2007.
    منْ المسؤول عن هذا التدهور وهذا الموت وهذه الكوارث؟ أليسوا هم ذاتهم الذين يروجون للديمقراطية وحقوق الانسان؟! اين هي حقوق الانسان العراقي ؟ أين هي الديمقراطية المزعومة في العراق؟ الاحتلال الأمريكي الصهيوني للعراق هو المسؤول الأول والمسؤول الثاني هم قادة فرق الموت وميليشيات الطوائف هناك، بحق لقد غدت هذه المهنة أسوأ مهنة في العالم بسبب ما تتعرض له من مخاطر وقتل وتدمير بشكل يومي لأنها في نظر منفذي هذه الهجمات تتعاون مع المحتل وأصبحت أداة من أدواته وتقوم بدور لا يستطيع المحتل ذاته القيام به، وهنا فإن المحتل هو الرابح لانه يدير المعركة من وراء الكواليس ولا يلحق به خسائر تذكر، بل على العكس الخاسر الأكبر هم العراقيون أنفسهم، بما يتعرضون له من قتل وتدمير وذبح على الهوية وغير ذلك. ما نتمناه للعراق ولشعب العراق العظيم أن يرحل المحتل وأن يعم الأمن والسلام بلاد الرافدين اللهم آمين.