دورة برلمانية إسرائيلية مصيرية

تم نشره في الأحد 6 أيار / مايو 2007. 03:00 صباحاً

يفتتح الكنيست الإسرائيلي هذا الأسبوع دورته الصيفية التي تستمر شهرين ونصف الشهر، وخلافا لما هو متبع في الدورة الصيفية، فإنها ستكون ساخنة جدا، لا بل ومصيرية، على صعيد تركيبة الحكومة الإسرائيلية الحالية، نظرا للأحداث المتوقعة لها حتى نهايتها، قبل نهاية شهر تموز (يوليو) القادم.

فهذه الدورة ستفتتح في ظل أجواء تقرير لجنة فينوغراد، التي فحصت مجريات الحرب على لبنان، واتهمت رئيس الحكومة، إيهود أولمرت، ووزير الحرب، عمير بيرتس، ورئيس أركان الجيش السابق، بالفشل في الأداء وشكل اتخاذ القرارات.

وبالإمكان القول ان حكومة أولمرت استطاعت اجتياز العاصفة الأولى لهذا التقرير المرحلي، إلى حين صدور التقرير النهائي في شهر تموز (يوليو)، إلا أن هذا التقرير سينعكس على مجريات وأحداث سياسية مستقبلية، ومقررة سلفا، وستنعكس نتائجها على مصير تركيبة حكومة أولمرت.

ثلاثة أحداث مركزية ستحدد مصير هذه الحكومة، ومن حيث التسلسل الزمني، فإن أولها، ولربما أهمها، الانتخابات لرئاسة حزب "العمل"، التي على ما يبدو ستطيح برئيس الحزب الحالي، عمير بيرتس، والحدث النهائي انتخاب رئيس جديد لإسرائيل في الكنيست، ثم الثالث صدور التقرير النهائي للجنة فينوغراد.

ونستعرض في ما يلي السيناريوهات المتوقعة ضمن هذه الأحداث المركزية، وفي حال لم تحدث مفاجأة تستبق كل هذه الأحداث، لتعيد ترتيب الأوراق من جديد.

في الثامن والعشرين من الشهر الجاري، أيار (مايو) سيتجه أكثر من مائة ألف منتسب لحزب "العمل" الإسرائيلي، لانتخاب رئيس جديد للحزب، وحتى الآن لا يوجد ما يبرر عدم الاعتماد على استطلاعات الرأي، التي تشير إلى ان رئيس الحزب الحالي، عمير بيرتس، سيفقد منصبه، وبالتالي منصبه الوزاري في وزارة الحرب.

وحسب هذه الاستطلاعات فإن المرشح الأقوى لتولي رئاسة الحزب، هو رئيس جهاز الاستخبارات العامة (الشاباك)، عضو الكنيست عامي أيالون، يليه رئيس الحكومة الأسبق إيهود براك، وأكبر سيناريو للمفاجأة هو أن يستبق بيرتس النتيجة ليعلن انسحابه من المنافسة، ليدعم عامي أيالون، أمام خصمه الأكبر براك، وفي حال لم يتم هذا، فإنه على الأرجح ستجري جولة ثانية للانتخابات في منتصف الشهر القادم، حزيران (يونيو).

وكانت أهمية هذه الانتخابات، حتى قبل فترة قصيرة، تكمن في أن الفائز سيتولى وزارة الحرب، ولكن بعد صدور تقرير "لجنة فينوغراد" فقد تضاعفت الأهمية، لأن استمرار شراكة حزب "العمل" في حكومة يرأسها أولمرت مرهون بنتائج هذه الانتخابات.

وحتى الآن أعلن أيالون أنه في حال فوزه في الانتخابات فإنه لن يقبل باستمرار هذه الشراكة في حكومة يرأسها أولمرت، وفي حال انسحاب الحزب من الحكومة فإن الائتلاف سيفقد الأغلبية، ولكن أيالون يقول بوضوح انه مستعد لاستمرار الشراكة مع حزب "كديما" ولكن في حال استبدل الحزب رئيس الحكومة.

وليس من الواضح ما إذا سيكون قرارا أيالون فوريا، أم أنه سينتظر إلى حين صدور التقرير النهائي للجنة فينوغراد، أما منافسه براك، فإنه حتى الآن، يتجنب اتخاذ موقف حازم في هذه القضية، وهناك من يدعي أن براك سيوافق الاستمرار في حكومة أولمرت شرط تعيين موعد لانتخابات برلمانية مبكرة، ولكن هذه توقعات ليست واقعية اعتمادا على تركيبة البرلمان الإسرائيلي.

ولهذا فإن الوزن الأكبر يجب ان يكون لتصريحات أيالون، وفي حال نفذ ما يصرح به، فإن الحبل السياسي سيشتد حول عنق أولمرت، الذي قد يجد نفسه مرغما على الاستقالة، إذ إنه من المستبعد جدا ان يحصل على حبل الإنقاذ من حزب الليكود، ورئيسه بنيامين نتنياهو.

أما المحطة الثانية، فهي انتخاب رئيس للدولة في موعد أقصاه مطلع شهر تموز (يوليو) القادم، وعلى الرغم من أن هذا المنصب شكلي وتمثيلي، إلا أنه يعتبر امتحانا لقوة وتماسك الائتلاف الحاكم، لدى أي حكومة، ومرشح الحزب الحاكم "كديما"، هو الوزير شمعون بيرس، (84 عاما)، الذي يريده السياسيون ان يستغل حضوره العالمي "لتبييض وجه إسرائيل في العالم".

أما مرشح اليمين فهو رئيس الكنيست السابق النائب رؤوفين رفلين، الذي على الرغم من مواقفه اليمينية، إلا أن مواقف اجتماعية وحقوقية خاصة على مستوى الأقليات، قد تجعل دائرة التأييد له تتجاوز الدائرة اليمينية، نظرا لأنه لا توجد مهام سياسية لرئيس الدولة.

وحتى الآن فإن الائتلاف الحاكم لم يتوحد من خلف مرشح واحد، أي بيرس، فحزب "العمل" لديه مرشحة ليس لها أي أمل في الفوز وفي حال أصرت على ترشيح نفسها، فإن هذا سيستدعي جولة ثانية للانتخابات، قد يفوز فيها بيرس، حسب موازين القوى القائمة اليوم في الكنيست، ولكن في حال فاز رفلين، فإن هذا مسمار إضافي يدق في نعش حكومة يرأسها أولمرت.

وستكون المحطة الأخيرة، ولنقل الامتحان الأخير، لحكومة أولمرت، هو التقرير النهائي للجنة فينوغراد، الذي من المتوقع أن يصدر قبل نهاية شهر تموز (يوليو)، وهذا في حال استمر أولمرت في رئاسته للحكومة حتى ذلك الحين.

ففي حال استقال أولمرت من منصبه، فإن الوقع السياسي للتقرير لن يكون ذي أهمية، ولكن في حال بقي أولمرت بشكل أو بآخر في منصبه، فإن مضمون هذا التقرير سينعكس على المصير النهائي لأي حكومة يرأسها أولمرت.

ويشير بعض المحللين إلى أن تقرير فينوغراد الذي تطرق بالأساس للأيام الخمسة الأولى للحرب، سيتطرق في التقرير النهائي إلى شكل إنهاء الحرب، والابعاد الاستراتيجية لنتائجها النهائية، ويقول محللون انه قد يحمل بعض الجوانب الايجابية في اداء أولمرت، مما قد يخفف الضغط كثيرا عنه.

ولكن في حال كان التقرير شديد اللهجة كالتقرير المرحلي، فإن العامل الزمني لصدور التقرير سيكون له تأثير كبير، فمثلا إذا كان صدور التقرير يتزامن مع انتهاء الدورة الصيفية أو بعدها، فإن أولمرت سيستفيد من ثلاثة اشهر لا يمكن للبرلمان ان يحجب الثقة عنه، وهي فرصة زمنية كبيرة لإعادة بناء الائتلاف، تمهيدا للدورة الشتوية التي ستفتتح في خريف هذا العام.

في كل هذه السيناريوهات يبقى سيناريو حل البرلمان (الكنيست) أمرا مستبعدا، نظرا لعدم وجود أغلبية برلمانية معنية بالتخلي عن مقاعدها البرلمانية، في انتخابات كل نتائجها مجهولة، ولكن السيناريو الأقوى هو أن أولمرت، وفي مرحلة ما، سيوافق على التخلي عن منصبه ليفسح المجال أمام شخصية أخرى من حزب "كديما" لتشكل الحكومة الجديدة، وإنقاذ الحزب الحاكم من الانهيار الكلي في أي انتخابات برلمانية مبكرة.

الكثير من المواقف السياسية والاجرائية في الحلبة الحزبية الإسرائيلية مبنية على مصالح شخصية تغلف بمواقف سياسية، بعد أن بدأ وزن الأيديولوجيات والبرامج السياسية يتلاشى في عملية اتخاذ القرارات ذات الشأن الحزبي الداخلي.

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق