مهنة الملائكة تترقب الرحمة

تم نشره في الاثنين 30 نيسان / أبريل 2007. 02:00 صباحاً

 

ثمة احتفالية تزخر بها المملكة في يوم التمريض الاردني، فهنا حملة تحت اسم "التمريض قلادة شرف" تمتد لعام كامل وتستهدف مواجهة تحدي نقص عدد الممرضات العاملات في القطاع على نحو مقلق ، ويقابلها مطالبات نقابية بزيادة علاوات الممرضين بحثا عن واقع افضل يشجع الكثير من الشباب للانخراط في هذا العمل الملائكي شكلا ومضمونا.

القيمة المضافة التي يقدمها نحو 15 الفا من الممرضين والممرضات لا تقل بحال من الاحوال عن اعلى القيم المضافة التي يقدمها للاقتصاد المحلي مهنيون آخرون سواء كانوا اطباء ام مهندسين، ولعل الصعوبات التي يواجهها العاملون في هذا القطاع الانساني تضاهي غيرها من الصعوبات في مهن اخرى.

جولة في اي من مستشفيات العاصمة كفيلة بتأكيد القيمة المضافة لهذه الفئة التي لم تحصل على كامل حقوقها بعد، فالمستشفيات مليئة بالمرضى العرب الذين يسوقون لسمعة الطب والتمريض في بلادنا دون ان يكلفنا ذلك شيئا، ولعل المرضى العرب خير سفراء لهذه السمعة التي تبنيها السلوكيات لا الاقوال والسياسات فحسب.

التميز يشمل الممرضين والممرضات في القطاعين العام والخاص، وأذكر هنا –على سبيل المثال لا الحصر– ان ممرضة واسمها "بدور" في مستشفى الملكة علياء العسكري كانت تعمل بجد قل نظيره مع ساعات الفجر الاولى، وتحاول ان توازن ما بين تقديم الرعاية الطبية والنفسية للمرضى بكل روح فاعلة ترافقها ابتسامة دائمة وبحيوية صادقة بعيدا عن عين الرقيب .. كما في القطاع العام يتكرر المشهد في القطاع الخاص، ففي مستشفى الاردن توجد امثلة عديدة منها الممرضة "رويدة" في قسم الولادة التي لا تألو جهدا في سبيل التخفيف من آلام السيدات اللاتي يصلن الى هذا القسم في ظروف نفسية وصحية صعبة، فهي تعمل بكامل قدرتها وطاقتها وبأسلوب راق عزّ نظيره.

وبعيدا عن نموذجيّ بدور ورويدة اللذين رأيتهما عن قرب، فإن مهنة الملائكة في بلادنا تحتاج الى من يساندها لوقف التسرب منها الى الخارج، والاحصائيات تؤشر على ما هو خطير بالفعل، إذ يغادر المملكة سنويا 40% من الكوادر التمريضية بحثا عن فرصة افضل وراتب اكثر جدوى، وتفقد وزارة الصحة يوميا 10 ممرضين ممن يستقيلون للغاية ذاتها، كما ان نسبة الاستنكاف عن التعيين آخذة في الزيادة في الوقت الذي يزيد فيه الطلب على مهنة التمريض داخليا وخارجيا خاصة لدى دول الخليج العربي ودول اوروبية. وثمة ما يؤكد ازمة نقص الكوادر؛ اذ يعمل اكثر من 3500 ممرض وممرضة خارج البلاد خُمسهم فقط في بريطانيا.

الامر ينطوي على ضرر بالغ يصيب الاقتصاد بشكل مباشر، فمن المفترض ان يتوفر ممرض لكل خمسة اسرّة، غير ان الواقع يشير الى وجود ممرض واحد فقط لكل عشرة اسرّة, والهوة آخذة في الاتساع بسبب هجرة الكفاءات التمريضية وبعد ان تراجعت نسبة الممرضات الى اقل من 30% في مقابل ارتفاع نسبة الممرضين الشباب الى 70%.

اكثر من حكومة وعدت نقابة الممرضين والممرضات بتصويب الاوضاع ورفع علاوة العمل الاضافي بنسبة 90% من الراتب الاساسي للممرضين في المستشفيات ورفع العلاوة الاضافية الى 220% من الراتب الاساسي ورفع قيمة الحوافز بما يتساوى مع باقي المهن .. لكن الوعود لا تجدي نفعا والمطلوب اجراء اطلالة واقعية على حال القطاع والالتزام بتأمين حقوق الممرضين والممرضات، حتى لا يأتي وقت نستورد فيه طاقات آسيوية وعربية للعناية بمرضانا .. نموذجا بدور ورويدة يحتاجان الى كل الدعم، وإلا فإن الخروج من المأزق لآلاف يعملون في مهنة الرحمة سيكون خارج الحدود.

التعليق