اعتذار ليس في مكانه!

تم نشره في الأحد 22 نيسان / أبريل 2007. 03:00 صباحاً

لم تعد المسألة تقديم بول ولفويتز رئيس البنك الدولي استقالته من منصبه أم امتناعه عن ذلك، تجاوزت المسألة موضوع الاستقالة بعدما صار الرجل معطوباً.

لحق ضرر كبير غير قابل للإصلاح بالرجل الآتي إلى البنك الدولي من وزارة الدفاع الأميركية، حيث كان يحتل الموقع الثاني بعد الوزير المستقيل دونالد رامسفيلد. لم يعد مهمّاً أن يعتذر ولفويتز من موظفي البنك الدولي بعدما اكتشفوه على حقيقته من خلال الميزات التي استطاع توفيرها لصديقته الأميركية من أصل ليبي وأسمها شاهة علي رضا. فقد نقل ولفويتز الصديقة إلى وزارة الخارجية براتب كبير بحجة أنّه على علاقة بها وأنّ ليس في الإمكان تركها في مؤسسة يشرف بنفسه عليها.

من الناحية النظرية، كان موقف ولفويتز سليماً، نظراً الى أن ليس صحّياً أن تكون هناك علاقة عاطفية ين الرئيس والمرؤوس في مؤسسة دولية مثل البنك الدولي. لكن مشكلة الرجل الثاني في وزارة الدفاع الأميركية، سابقاً، تكمن في أنّه استخدم في العام 2005، بعد تعيينه رئيساً للبنك الدولي، ما لديه من نفوذ كي تحصل شاهة على راتب سنوي صافٍ، أي من دون الضراNب، يقتر@ من مائتي الف دولار. انذه راتب لهم بالقاييس المعتمدة في الإدارة الأميركية. الأكيد أن هذا الراتب ليس شيئاً مقارنة مع ما إدفعه الطاع الخاص لموظفيه، لكنّما فعله ولفويتز أدى إلى ثورة عليه داخل البنك الدولي. لم يخفف من حدّة الثورة لدى موظّفي البنك الدولي اعتذاره. لم يخفف منها محاولة شرح الأسباب التي دفعته إلى ممارسة نفوذه كي يوظّف صديقته في وزارة الخارجية براتب يفوق الراتب الصافي، أي الراتب الذي تقبضه بعد دفع الضرائب المتوجّبة، وزيرة الخارجية الدكتورة كوندوليزا رايس.

ما حصل يكشف الشخصية الحقيقية لبول ولفويتز. رجل ينادي بالعفاف وبالسعي إلى وقف الفساد ومكافحته في كلّ أنحاء العالم من جهة، ثم يتبيّن انّه على استعداد للذهاب بعيداً في أستخدام نفوذه من أجل تأمين منصب مع راتب كبير في وزارة الخارجية الأميركية لصديقته من جهة أخرى.

يبدو بكلّ بساطة أن ولفويتز مع مكافحة الفساد حين يروق له ذلك وهو متساهل مع كلّ ما له علاقة بالفساد حين يكون الأمر متعلّقاً به شخصياً أو بأجندته السياسية. لا حاجة للذهاب بعيداً من أجل تأكيد ذلك، خصوصاً أن الحدث العراقي، الذي تورّط فيه ولفويتز الى ما فوق أذنيه، لم يمرّ عليه الزمن بعد. كان ولفويتز، في حال شاء المرء أن يكون حسن النيّة، الِرّاب الجقيقي لشخص اسمه أحمد الجaبي استطEع اقناع الأميركيين بأنّ`م سيُستبلون بالورود في العراق fأن مجرّ دخولهم العسكري إلى العؤاق سيؤدل إلى سقوط نظام صدّام حسين، وأن العراق سيتحوّل بعد ذلك إلى دولة ديمقراطية تكون نموذجاً لما يمكن أن تكون عليه دول المنطقة في شرق أوسط جديد!

كان الدخول الأميركي إلى العراق مغامرة سهلة، أقلّه في البداية. سقط نظام صدّام، الذي لا يمكن الدفاع عنه في أي شكل، بأسهل مما يعتقد. ولكن أين مشروع بناء العراق الديمقراطي؟ أين العراق المرشّح لأن يكون نموذجاً لدول المنطقة الأخرى على رأسها تلك التي لديها حدود مشتركة مع العراق. كان الفشل الأميركي كبيراً في العراق إلى حدّ أنّ السوريين العاديين باتوا يشكرون الله على وجود النظام القمعي الطائفي المتخلّف في بلدهم بدل أن يحلّ بهم ما حلّ بالعراق والعراقيين! إلى هذا الحد كان التدخل الأميركي فاشلا!

يبدو ما أرتكبه بول ولفويتز في البنك الدولي مخالفة لا تستحق التوقف عندها مقارنة بفظاعته في العراق. ومع ذلك، اعتذر رئيس البنك الدولي عن تدخلّه من أجل صديقته ولم يعتذر عن الجريمة الكبرى المرتبة في العراق وكان بين ا ذين تسبàبوا بها!

كان لا بدّ من التخلّص من صدّام حسين ونظامه، لةن كان لا بد في الوقت ذاHه من الآفكير في مرحلة ما بعد صدلام وفي àا  ستؤول اليه الأوضاع في العراق بعد التخلّص من النظام العائلي- البعثي الذي لعب دوراً أساسياً في تفكيك النسيج الاجتماعي للبلد. كان هم ولفويتز محصوراً في اسقاط النظام العراقي من دون أن يعي أن إيران ستكون المنتصر الأوّل والوحيد من المغامرة الأميركية في العراق.

الأكيد ان ولفويتز لم يعتذر الى الآن عن فعلته العراقية التي هي أقرب الى جريمة في حقّ العراقيين والأميركيين وكلّ أهل المنطقة أكثر من أي شيء آخر. اللهم الاّ اذا كان الهدف الأصلي من احتلال العراق تقسيم البلد على أسس طائفية ومذهبية وقومية تمهيداً لتقسيم المنطقة كلّها وإعادة رسم خريطتها. هل هذا ما ابتغاه ولفويتز وهل هذا السبب الذي يحول دون اعتذاره؟

في الاجتماع الأوّل الذي عقده كبار المسؤولين الأميركيين بعد أحداث الحادي عشر من أيلول- سبتمبر 2001، تفرّد بول ولفويتز في الدعو إلى الرد على إرهاب "القاعدة" في العراق. اعترض وقتذاك وزير الخارجية كولن اول الذ تساءل عن علاقة العراق بما تعرضت له نيويورك وواشنطن. سك ولفويتز نظراً لأنّه لا يوجد رابط حقيقي بين العراق وبين أحداث الحادي عشر من أيلول- سبتمبر. ولمّا سُئل لاحقاً لماذا اثار هذه المألة، كاD جوابه أنه "غرس بذور" ا`تدخل ال ميركي في العراق.

استطاع الرجل، الذي كان نائباً لوزير الدفاع، جرّ بلاده إلى حرب العراق، تلك الحرب التي سيتبيّن يوماً أنّها اعادت تشكيل الشرق الأوسط. وبغض النظر عن نتائج الاحتلال الأميركي للعراق في المدى الطويل وما إذا كانت واشنطن ستستفيد من حربها على العراق، يظلّ السؤال الأساسي: من يتحملّ المسؤولية عن مقتل ما يزيد على ثلاثة الاف جندي أميركي في العراق، أقلّه إلى الآن. ولماذا قُتل هؤلاء؟ ألا يستحق الضحايا وذووهم اعتذارا من بول فولفويتز، أم أن الأعتذار عن توظيف صديقته براتب مرتفع في وزارة الخارجية الأميركية يُغني عن أي اعتذار آخر.

في كل الأحوال، لن يخرج ولفويتز سليماً من مغامرته ذات الطابع الشخصي. انتهى الرجل حيث كان يجب ألاّ ينتهي. المكان الذي كان يجب أن ينتهي فيه هو العراق. هناك ارتكب جريمته الكبرى التي أدت إلى مقتل عشرات آلاف العراقيين وتشريد مئات الآلاف منهم، بل أربعة ملايين عراقي هُجَروا من منازلهم داخل العراق أو إلى دول الجوار في ظلّ حرب أهلية ارتدت طابعاً مذهبياً. الباقي تفاهات وتفاصيل ليس الاّ من نوع اعتذار لولفويتز في غير مكانه إلى موظفي البنك الدولي!

كاتب لبناني

التعليق